إنّ القضية المركزية لدى الفلاسفة التجريبيين هو أن التجربة مصدر كل معرفة وقد استهل الفيلسوف العقلي إيمانويل كانط أحد كتبه بعبارة يؤكد فيها أن كل معرفة تبدأ بالتجربة والأهم من ذلك هو أنه قام بالتوحيد بين التجربة والمعرفة بطريقة يتعذر بموجبها فصل إحداهما عن الأخرى، ومن هنا تساءل الباحثون والنقاد عن مدى إمكانية الاستنتاج بخصوص كانط فيما إذا كان فيلسوفاً تجريبياً بالمعنى نفسه الذي كان بموجبه جون لوك أو هيوم أو غيرهم من التجريبيين إلا أن القراءة الدقيقة تبين أو تظهر بشكل عام أن فهم الفلاسفة التجريبيين للتجربة كان بسيطاً ويحتاج للكثير من الدقة أي أن نظرية المعرفة لدى هؤلاء لم تكن بمقدورها أن تعكس حقائق العالم في الوعي الإنساني بشكل دقيق حيث إن التجربة عند الفلاسفة التجريبيين تنحصر في تلقي انطباعات سلبية فردية وهي في أفضل الأحوال نسخ أو صور لخصائص موضوعات فردية أيضاً فحسب، وإن بدا أن بعض التجريبيين أعطوا للذات العارفة دوراً إيجابياً في عملية التجربة ككل فإن ذلك الدور بقي مجاله فقط داخل الفكر أي أن عمل الفكر وفق فلسفتهم ينصب في الغالب على تلك الانطباعات التي تلقاها وحدها ولا يتجاوز ذلك بحيث يستطيع التأثير في الموضوعات نفسها والأهم من ذلك أن الفكر في تلك الحالة يبقى بعيداً عن تلك الموضوعات ولا توجد بينه وبينها أية صلة أما عند المفكر والفيلسوف إيمانويل كانط فالتجربة ليست علاقة بين الذات والموضوعات وإنما هي عملية من جانب واحد فقط هو الذات أي أن الذات وفق فلسفته هي التي تنشئ التجربة وتعمل على تركيبها بطريقة عقلية خالصة فتفرض بناء على ذلك على الموضوعات قوانينها وطرق ارتباطها بعضها ببعض.

المصدر : تشرين