على ما تروي «إيليني» زوجة الروائي اليوناني الشهير نيكوس كانتزاكيس عنه؛ إنها ارتبطت معه بعلاقة حب غريبة استمرت قبل الزواج أكثر من خمسة عشر عاماً, ذلك أنه تمنى عليها أن تدعه يذهب إلى شؤونه, وقد رضيت إيليني بهذه الشروط القاسية من أجل أن تؤمن لمؤلف «زوربا » و«المسيح يُصلب من جديد» أقصى درجات العزلة والحرية.. وإذا ما اتجهنا صوب المشهد التشكيلي سواء المحلي، أو العالمي؛ فلابدّ ستلفت انتباهنا الكثير من سلوكيات بعض الفنانين التشكيليين، سلوكيات يحتار المُتابع أين يُصنفها؛ هل هي أمراض نفسية وعصابية، ومظاهر انفصامات، أم هي بعضُ ملامح الإبداع؟؟!

سلفادور دالي والسيرة المُفزعة

في كتابه « الحياة السرية » للفنان الإسباني سلفادور دالي الذي قام بتعريبه مُتيّم الضايع، والصادر عن دار الحوار في اللاذقية, لا يخجل دالي من كشف الغطاء عن حياته السرية، ويا لهول ما بانَ تحت ذلك الغطاء، من سلوك يُصنف اليوم في علوم النفس بالانحراف، حتى هو نفسه لا يتوارى عن وصف سلوكه بالمنحرف، وأحياناً يميل إلى أنّ ذلك «الانحراف» كان باعث الإبداع لديه.. ذلك الطموح الذي بقي يدفع بدالي ليصير من رموز الحركة التشكيلية والفنية العالمية على مدى عقود طويلة ولايزال، وفي هذه السيرة الشخصية التي وسمها بالحياة السرية، لم يقدم دالي نفسه كقديس كما يحصل في أغلب السير الشخصية للكثير من المبدعين في العالم العربي تحديداً، وإنما سيفاجئ دالي قراء سيرته، بالكثير من الحماقات والحالات العدوانية التي كانت تنتابه، بل والكثير من حالات الغرابة في الأطوار ومن حالات الخوف والجبن والانتهازية وغير ذلك… سيرة انجدلت فيها الحياة الشخصية التي سردها على شكل قصص قصيرة، مع ذاكرة طفولية وصفها بالزائفة، وذاكرة طفولية حقيقية، وصولاً لمشاركته ومنصبه في «السوريالية » المعلم الفني، أو المذهب الإبداعي الأشهر في تجربة هذا الفنان العالمي، الذي لم يخجل من الحديث طوال الوقت عن تأثره الكبير بفنان عالمي هو الآخر «رفائيل واسمه الكامل رفائيلو سانزيو» الذي سيبقى يتحدث عن أعماله، كمثال للكمال الفني.

كعراة في غرفة

بقي أن نذكر، إن سلفادور دالي يوم كتب هذه «الحياة السرية » كان عمره سبعة وثلاثين عاماً سنة 1941، وحين أنجزها يختم بالقول: «أنا عارٍ تماماً ووحيد في غرفتي، أنهيت هذا الكتاب الطويل عن أسرار حياتي، لأن هذه هي الحياة التي عشتها؛ تمنحني سلطة ليتم سماعي». التصرفات التي تُؤثر عن دالي، سواء في مظهره الذي يشبه المهرج أو لاعب السيرك، أو في طريقة قص شاربيه أو الهبوط إلى معارضه من السقف تشير كلها إلى الغرابة و«الشذوذ» وكسر الأعراف مما يمكن أن تأخذه العامة على محمل الجنون.. ومن يتتبع أخبار فان غوغ وغوغان تلفته أيضاً من دون شك السيرة العجائبية المزدوجة لهذين الفنانين اللذين ارتبطا بعلاقة تختلط فيها الصداقة بالكراهية، وبالوداعة المفرطة بالعدوانية الحادة التي وصلت في إحدى مراحلها إلى أن يهم أحدهما بقتل الآخر. وما حدث لفان غوغ ليس ببعيدٍ عما حدث للشاعرين الفرنسيين لرامبو وفيرلين اللذين جمعتهما صداقة وصلت إلى حد «الشذوذ والهلوسة»، كان من نتيجتها أن الثاني أطلق النار على الأول وكاد يرديه. وأكادُ أجزم ليس من مبدعٍ فرنسي – على وجه التحديد – ليس في حياته ما يُسجل الكثير منها في خانة «الانحراف» حسب تصنيفات العلوم النفسية والاجتماعية، لن يكون أولهم فيرلين، وليس آخرهم أندريه جيد..

وهنا الحديث يطول عن الكثير من المُبدعين حتى في العالم العربي، وعلى تنوّع نتاجاتهم الإبداعية، عن «لا سوية وغرابئية ما».. لدرجة أن العامة ذهبت في الكثير من الأحيان إلى اعتبار الشاعر كائناً متصلاً بالجنون في بعض وجوهه. وهذه الفكرة لم تأتِ من عدم؛ بل لها في رأي الكثير من المُتابعين: «من يحملونها دلائل وقرائن تسندها وتبرهن عليها في المستويين السلوكي والإبداعي».

على مستويين

فعلى المستوى الأول نرى في سلوك المبدعين وما يتصل بالخروج على القاعدة وتجاوز المألوف في العادات والطبائع والممارسات اليومية. وقد يأخذ هذا التجاوز أشكالاً شتى تكون عند العامة انطباعاً بالغرابة والخروج عن السائد، وهنا تضيق السير الشخصية للكتاب والشعراء والفنانين بالأفعال الغريبة التي يأتونها وهي في مجملها تُعبّر عن تبرمهم بالمألوف والعادي وعن رغبتهم في الإقامة خارج القوانين الموضوعة والأنظمة السائدة، لأن لهم من متخيلهم الشخصي ما يكفي لخلق فراديسهم أو نيرانهم الخاصة، لذلك فإن أياً من تصرفاتهم يبدو في نظر العامة مدعاة للتساؤل والاستهجان, ذلك أن الرغبة في تحقيق الحرية الكاملة – على ما يرى الكثير من المُتابعين- هي ما يدفع الكاتب أو الفنان إلى التعبير عن تبرمه بالواقع وانقلابه على أي سلطة.. فالفن والكتابة يضيقان بالجدران ويعملان على هدمها واختراقها، والفنان لا يكف عن المحاولة إلى أن تنهار أمامه المعوقات والسدود مثلما فعلت الجدران بسد مأرب والأزاميل بجدار برلين.. لكنه قبل أن يحقق مبتغاه وهو كثيراً ما لا يتحقق في حياته، لا يملك كتعبير عن الاحتجاج والضيق سوى تحدي المجتمع ورفض سننه وأعرافه، وهو أمر قد يوصل الفنان في أقصى اندفاعاته التي تصل إلى تخوم الجنون أو المرض أو الانتحار، ولدينا من جنون هولدرن، وعصابية فان غوغ ودوستويفسكي، وانتحار كلايتس وميشيما وكاواباتا وهمنغواي وخليل حاوي، وغيرهم ما يكفي للدلالة على سوء الفهم المزمن بين المبدعين وعصورهم الذي يؤدي عند استفحاله إلى انكسار الجسد بالمرض والتصدع والعصاب أو إلى استباحته من الشياطين والأرواح السوداء ودفعه في النهاية إلى الانتحار.

اجتياز عتبة الأساليب

أما على المستوى الثاني، والمقصود به المستوى الإبداعي، فإنّ الفنان والكاتب يتعرضان إلى تهمة المروق أو الهلوسة والجنون بمجرد الخروج على السائد واجتياز عتبة الأساليب المعروفة، وهو ما يتعرض له الرياديون والمؤسسون وحتى الأنبياء أنفسهم.. فالشاعر العظيم يستند إلى مخيلة متوقدة تفتح أمامه مصاريع اللغة والصورة بحيث يتجاوز الحدود المرسومة سلفاً من حراس المفاهيم والتقاليد المتبعة في عصره.. لهذا فهو يتهم بالتخريب والخيانة والتآمر على اللغة حيناً وبالانحراف والشذوذ والخبل حيناً آخر.. وهنا ليس من الضروري في هذه الحال أن تبدو أعراض الجنون جلية في سلوك المبدع، بل يكفي أن يضرم النار تحت اللغة أو القماشة أو الخشبة لكي يرمى بشتى التهم ويساق أحياناً إلى الموت مثلما حصل مع الحلاج، وابن المقفع والسهروردي، وحتى غاليلو. فكل مجاز غير مألوف هو تجاوز لعتبة الواقعي والمشروع في اتجاه الغامض والغريب المؤديين إلى الخلل والخوف، وكل انزياح هو خروج عن «الزيح» المرسوم سلفاً نحو أرض التجديف والهلوسة وإشاعة الفوضى.. وعلى ما يرى «بيرغسون» إن الفن الحقيقي؛ هو ذلك الذي «يرفع فيه العقل الكلفة مع الطبيعة » والعقل هنا – وأقولُ ربما- لا يفعل ذلك إلا حين يخسر بعضاً من «عقلانيته»، ويلج في هذياناته المحمومة حيث تكون رياح الجنون في الانتظار..

هل من هنا – ربما أيضاً – أن نُعلن تفهمنا الناقد والكاتب «سان أفريمون» الذي لم يكن أمامه إزاء هذا الحال؛ سوى الإقرار بأننا «ندين باختراع الفنون إلى خيالات مخبولة»وفي رأيه إنّ ما نسميه نزوة الرسامين والشعراء والموسيقيين ليس سوى تسمية ملطفة بالتهذيب للتعبير عن جنونهم, ذلك أنّ الشعرة التي لا يُعرف لونها إلى الآن، التي تفصل بين فضائي الجنون والإبداع، كُثرت جداً حولها الدراسات، لدرجة أنها في كثير من الأحيان كانت تجد أن كلّاً منهما ربما كان السبب للثاني، أو ربما دافعه، وكان علينا طول الوقت أن «نأخذ الحكمة من أفواه المجانين»..

المصدر : تشرين

أضف تعليق


كود امني
تحديث