يقتفي الكاتب البريطاني «بيتر كريغ» أثر النصوص الأوغاريتية القديمة على ما يعرف بـ «العهد القديم»، في كتاب جديد ترجمه الباحث فراس السواح وصدر حديثاً عن دار التكوين في دمشق وحمل عنوان «أوغاريت والعهد القديم»، ورغم أن موضوع «التلاص» الذي مارسته التوراة ضد الأساطير السورية، ليس بجديد، لكن اقتصار هذا المؤلف على حضارة أوغاريت السورية يمكن له أن يوسع المعارف التاريخية واللغوية خاصة أن في هذه أقدم أبجدية في التاريخ قد اكتشفت هنا، وخاصة أيضاً، أن التوقعات تشير إلى اكتشافات كبيرة منتظرة في مجموع التلال التي شكلتها تلك المدينة التي سمّاها بعض الباحثين باللغز وموطن الكنوز التي ستغير مفهومنا للكثير من الأحداث والحقائق القديمة..
الملاحظة التي لابد منها، بدايةً، إزاء هذا الكتاب، هي استخدام المؤلف مصطلح «العهد القديم» عوضاً عن «التوراة»، وهي تسمية يؤكد الباحثون غائيتها الأيديولوجية والتاريخية التي عمل عليها اليهود طويلاً حتى تكرست على يد أسقف سردينيا «ميليتو» سنة 180 ميلادية، ذلك التسلل اليهودي لم يقتصر على العقائد والأيديولوجيات بل هو ممتد أصلاً إلى التراث القديم والحديث على حد سواء, حيث اشتهرت «إسرائيل» الغاصبة للأرض بعملها على اغتصاب الفكر عبر سرقة التراث الشعبي الفلسطيني من لباس وطقوس طعام ومناسبات وغير ذلك.. في جميع الأحوال، فإن نظرة الباحثين الغربيين إلى هذه النقطة لا تخلو من الشوائب التي تستحق الوقوف والتمحيص، ذلك أنّنا في الأغلب نعثر على نوع من التعاطف المريب والمكشوف مع تلك الفئة الإلغائية التي تحاول تكريس سلب الأرض والفكر معاً!.
يبدأ الكتاب فصله الأول بعنوان «اكتشاف مدينة ضائعة», حيث اكتشف فلاح سنة 1928 مصادفة أثناء قيامه بفلاحة الأرض صخرة كانت المفتاح إلى المدينة المفقودة، ليزاح الستار عن حضارة كاملة أضاءت ما حولها من تفاصيل كانت مجهولة بالنسبة إلينا عن ذلك الوقت، لينتقل بعدها إلى طبيعة الحياة في أوغاريت، ومن ثم اللغة والأدب فيها، ليصل في الفصل الرابع إلى موضوع الكتاب وهو فصل حمل عنوان «العهد القديم والدراسات الأوغاريتية»، فالمقارنة بين «المزمور 29» و«كتاب التراتيل الكنعاني» تثبت أن تشابهاً مريباً قد حصل وأن التوراة قد أخذت من تلك التراتيل التي تسبقها بزمن طويل جداً، ورغم أن المؤلف يعزي ذلك إلى إعجاب مؤلف هذا المزمور بالترتيلة الكنعانية القديمة، إلا أن وجود تشابهات أخرى في التوراة مع حكايا أسطورية سورية قديمة، يؤكد أن هناك سطواً لا يمكن وصفه بالإعجاب، فحكاية «عاموس الراعي» الذي يسمونه «نوقد» يبدو متصلاً بكلمة «نقد» الأوغاريتية، كذلك الأمر بالنسبة للوصية التي وردت في «سفر التثنية» وأيضاً في «سفر الخروج» والتي تقول «لا تطبخ جدياً بلبن أمه»، كان بمنزلة المعارضة لما اكتشفه شارل فيروللو سنة 1933 على لوح فخاري في أوغاريت وكان مكتوباً عليه «اطبخ جدياً باللبن»! حيث يبدو هذا النص الكنعاني, كما يفسر مؤلف الكتاب، طقساً مختصاً بالخصب والجنس.. يتابع الكتاب إلى المزمور «104» وتشابهه مع الشعر المقدس عند الكنعانيين، وأيضاً مع ترتيلة الشمس للفرعون أخناتون، أما نظرية «الخلفية الموسيقية للمزامير» في «التوراة», فجاء اكتشاف رقيم من أوغاريت كي يفضحها ويثبت أن هذه المدينة قامت بالتدوين الموسيقي على آلة القيثارة وقد سبقت فيثاغورث الذي «يعزى إليه ابتكار التدوين الموسيقي بألف عام».. تلك الفخارة الصغيرة التي لم تتجاوز سبعة إنشات كشفت المصادر الموسيقية التي أخذتها «المزامير» في «التوراة»!. في نهاية تلك المحطات يصل المؤلف إلى التشابه بين أسطورة بعل الكنعانية و«سفر الخروج»، فالعملية كانت تتم بالطريقة ذاتها مع تعديلات تتطلبها حال العصر أثناء كتابة هذه الأسفار!.
يقر «كري» بأن اكتشافات موسعة منتظرة في تل مرديخ «إيبلا» و«رأس ابن هاني» من شأنها كشف الكثير من الألغاز التاريخية والأحجيات، ما يعني استعادة لتاريخ ضائع أو منهوب بشكل شبه كامل للأسف!.