«تحت نفس الشمس.. وفوق نفس التراب.. كلنا بنجرى.. وراء نفس السراب.. كلنا من أم واحدة، أب واحد دم واحد.. بس حاسين باغتراب».
بالمصادفة المحضة أرسل لي أحد الأصدقاء فيديوهاً للشاعر سيد حجاب الذي لم أكن أعرفه قبل ذلك.. سمعت القصيدة ولم أتمالك نفسي من الابتسام وأنا أستمع لها رغم الألم الذي يخلفه هذا النوع من الكوميديا التي تعبر عن معاناة الناس وأوجاعهم، واعتقدت أنني قد سمعت ما يشبهها تحت عنوان «الأهزوجة» أو القصيدة العامية أو الشعبية.. ولأني أعدّ المصادفة مفتاحاً لمعرفة المزيد.. اكتشفت أن شعر العبقري سيد حجاب هو نوع جديد من الشعر المحكي أو شبه العامي على وزن أحد البحور الشعرية التي كتبت بها المعلقات، ولأنها تكتب بالعامية أو اللغة الشعبية أطلق عليها (المشعلقات) وهي نوع أدبي جميل يعتمد على الفكاهة والحس الشعبي.
وبالعودة إلى (المشعلقة) التي قرأتها مصادفة, يقول الشاعر سيد حجاب الذي بنى قصيدته على هيكل قصيدة أمير الشعراء أحمد شوقي:
سلوا قلبي وقولوا لي الجوابا .. لماذا حالنا أضحى هبابا
لقد ساد الفساد وساد فينا .. فلم ينفع بوليس أو نيابة
وشاع الجهل حتى أن بعضاً .. من العلماء لم يفتح كتابا
وكنا خير خلق الله صرنا .. في ذيل القائمة وفي غاية الخيابة
قفلنا الباب .. أحبطنا الشبابا .. فأدمن أو تطرف أو تغابى
أرى أحلامنا صارت سراباً .. أرى جناتنا أضحت خرابا
وصرنا نعبد الدولار حتى .. نقول له أنت ماما وأنت بابا
وملياراتنا هربت سويسرا .. ونشحت من الخواجات الذئابا
ونهوى مصر حباً بالأغاني .. فتملؤنا أغانينا اغترابا
وسينما الهلس تشبعنا عذاباً .. وتشبعنا جرائدنا اكتئابا
زمان يطحن الناس الغلابى .. ويحيا اللص محترما مهابا
فكن لصاً إذاً أو عِش حماراً .. وكل مِشاً إذاً أو كل كبابا
ودس على الناس أو ستنداس حتى .. تصير لنعل جزمتهم ترابا
أمير الشعر عفواً واعتذاراً .. لشعرك فيه أجريت انقلابا
وما نيل المطالب بالطيبة .. دي مش دنيا يا شوقي بيه دي غابة.
بهذه الأبيات فتح الشاعر الكثير من الملفات الشائكة لكن كلماته الساخرة قالت ما يريد من دون أن تتعرض القصيدة لمقص الرقيب لأن الكلمة الساخرة كما اللغة الساخرة هي الأقرب لقلوب الناس.
وفي حياة الأديب سيد حجاب نكتشف كم كان قريباً منا وكم عشنا معه في أغنيات مسلسلات جميلة كـ «ليالي الحلمية» و«الأيام »وغيرها.. والمدهش أنه كان ابناً لأب شاعر ينشد قصائده للنيل وصيادي السمك.. على بحيرة المنزلة بالدقهلية وكان الميلاد الأول لموهبته، في العاشرة من عمره حيث كتب أول قصيدة عن شهيد من شهداء الوطن، ثم كبر الفتى وصار عاشقاً لصيادي السمك وعروسة البحر والوطن، وأول تواصله مع الناس كان عبر الفنان صلاح جاهين الذي قدمه لقراء «صباح الخير» بقصيدة تحمل عنوان «ابن بحر»، ولما كتب أول ديوان له كان بعنوان «صياد وجنية» قدمه بكلمات بسيطة، عذبة وثرية.
ونقرأ من ديونه : «أنا نص قلبي في البحيرة.. ونص قلبي في البلد.. ويا البنية والولد.. وف قلبي، ياما ف قلبي، حواديت تنسرد.. ياريت عروسة البحر.. ترمي نفسها ف وسط الشبك.. وتقول: أديني جيت.. يا شاطر شدني.. قلبي انشبك.

ورغم اللهجة الشعبية التي استخدمها إلا أن سيد حجاب كما وصفه النقاد من الشعراء القلائل الذين كتبوا بلغة الناس البسيطة، واستطاعوا أن يخترقوا جدار الصمت، لينفذوا إلى جوهر الأشياء، واستطاعوا – بكل روعة- استخدام لغة الحديث اليومي لتحريك الأشواق إلى عالم جديد، متخطين عقبات الرموز واللغة، حتى كأنك تسمعها لأول مرة. إن الطبيعة الصامتة والحزن والكلمات تستحيل – في قصائد هذا الشاعر الموهوب- إلى دلالات حية، تنبض بحرارة الخلق وبكارته، هكذا كتب الشاعر عبد الوهاب البياتي سنة 1966 عن سيد حجاب وديوانه الأول «صياد وجنية».

الدكتور إبراهيم فتحي في قراءته لأشعار سيد حجاب يصفه بأنه واحد من قلة متوهجة الموهبة والوعي من الشعراء المصريين الذين قدموا إسهاماً مصرياً متميزاً في تطوير القصيدة العربية. ذلك أن «العامية» لديه تعني الطابع الشعبي بحيويته ومرونته وثراء قاموسه، فالأداء اللغوي لدى سيد حجاب يتسم بالطزاجة والطاقة والجدة، وكلماته على مستوى المعجم أعادت للشعر التصاقه بالجذور الحية للتجربة الحسية، حيث شاركت تجربته في علاج اغتراب اللغة وتدهورها.. كما أن شعر سيد حجاب يجعل اللغة فاعلة تنبع من الحياة الاجتماعية المعاصرة، فعاميته هي حضور اجتماعي إبداعي يثري هذه اللغة، ويبرز جمالها.
ولعل من أبرز أعماله التي تفاعل معها الجمهور العربي متذوقاً معاني وصور هذا الشعر العذب الجميل فى( تتر) أو المقدمة الموسيقية لملحمة الدراما التلفزيونية الخالدة «ليالي الحلمية»، ويتساءل البعض: هل كان للدراما المصرية معنى ونكهة خاصة من دون تتر المقدمة والنهاية من تأليف سيد حجاب؟ ولعل سيد حجاب كان قادراً فى كل الأوقات وكل الأشعار على أن يفرش داخل قلوبنا مساحة للشجن..
«ومنين بيجي الشجن.. من اختلاف الزمن.. ومنين بيجي الهوى.. من ائتلاف الهوى.. ومنين بيجي السواد.. من الطمع والعناد.. ومنين بيجي الرضا.. من الإيمان بالقضا.. من انكسار الروح.. في دوح الوطن.. يجي احتضار الشوق.. في سجن البدن.. من اختمار الحلم.. يجي النهار.. يعود غريب الدار.. لأهل وسكن».
اسمعه واصغ إلى عبقريته وهو يقول فى تتر مسلسل أرابيسك:
«وينفلت من بين أيدينا الزمان.. كأنه سحبة قوس في أوتار كمان.. وتنفرط ليَّام عود كهرمان.. يتفرفط النور والحنان والأمان.. وينفلت من بين إيدينا الزمان.. الشر شرق وغرب داخل في حوشنا.. حوشوا لريح شاردة تقشقش عشوشنا.. حوشوا شرارة تطيش تشقق عروشنا.. وتغشنا المرايات تشوش وشوشنا.. وتهيل تراب على الهالة والهيلمان».
وربما كانت المقدمات التي قدم بها الشاعر حجاب لعدد من أعمال الدراما المصرية التلفزيونية هي صورة غنائية تلخص الحدث والشخصيات والأجواء العامة التي تدور في رحاها العناوين العريضة لهذا العمل الدرامي أو ذاك، فربما يتناسى الجمهور تفاصيل العمل الدرامي لكنه أبداً لا ينسى تتر المقدمة والنهاية لتلك الأعمال
ولا يزال أراجوز المدارس يعيش في ذاكرة الكثيرين:
«دا أرجوز المدارس.. دا نوارة المجالس.. فارس ولا زيي فارس.. أواجه لا أوالس.. داري بحالنا ودارس.. وعلى جروح روحنا دايس.. وهيحكي لنا حكاية.. عن واد لايص وحايس.. واحكي يابن المدارس.. الواد عواد يا هوه.. همل في أرض أبوه.. والأرض عرض وإللي يفوت أرضه يتوه.. الأرض الشابة بارت.. قام جرفها استدارت.. وفلوس تجرفها طارت.. وقعد يائس وخانس.. واحكي يا بن المدارس».
وقد توسعت أعمال العبقري سيد حجاب الى أكثر من الدراما التلفزيونية فكانت حضوراً رائعاً في الأعمال السينمائية من أمثال:
«الأراجوز.. كتيبة الإعدام.. البداية.. حنفي الأبهة.. حكاية الفتى الشرير.. الكيت كات.. ليه يا بنفسج.. لا تسألني من أنا» وغيرها.
ونقرأ من مقدمة فيلم (يا طير يا طاير):
«يا طير يا طاير طير على بلدي .. بلغ سلامي لوالدي ولولدي ولأم ولدي.. ولكل أحبابي وناس بلدي.. أنا هنا في أسوان أنا عامل والسد طالع بايدي.. مهما نشيل القلب مش شايل.. غير ابتسامة وحب وأغاني».
وكالسحاب المتدفق امتدت أعمال سيد حجاب إلى الإذاعة والمسرح حيث قدم مجموعة من الأعمال الإذاعية كان منها «بعد التحية والسلام» بالاشتراك مع عبد الرحمن الأبنودي، ثم «عمار يا مصر» و«أوركسترا».
وفيما يتعلق بالكتابة للمسرح بدأ سيد حجاب الكتابة المسرحية عام 1973 بالمسرحية الغنائية «أبو علي» التي عرضت على مسرح العرائس في القاهرة، ثم توالت الأعمال فكتب مسرحية «ولد وجنينة» ومسرحية «حكاية الواد بلية» ومسرحية «المخبر».
كما كتب أشعار وأغاني العديد من الأعمال المسرحية منها: «حدث في أكتوبر.. دنيا البيانولا.. نرجس.. كلام فارغ.. علشن خاطر عيونك.. شباب امرأة.. روض الفرج.. الواد سيد الشغال.. رأس المملوك جابر.. اثنين في قفة.. حزمني يا».

ولعل الأكثر مفاجأة في إبداع سيد حجاب وبالإضافة إلى هذا كله ترجمته «أوبرا الثلاث بنسات» لبريخت إلى العربية، كما كتب أوبرا عربية عن رواية «ميرامار» لنجيب محفوظ، وأوبرا شعبية عن رواية «السقا مات» ليوسف السباعي، إضافة لكتابة ثلاث أوبرات قصيرة عن قصص قصيرة ليوسف إدريس: «فوق حدود العقل.. حالة تلبس.. مسحوق الهمس».
أما الأكثر مدعاة للدهشة فقد تمثل في كتابته للأطفال بمجلة «سمير وميكي» إلى جانب العديد من القصص والمسلسلات والأشعار وتعد تجربته مع عمار الشريعي بألبومي الأطفال: «أطفال أطفال» و«سوسة»، من أنجح التجارب الغنائية التي قدمت للطفل.
وقد غنى للشاعر سيد حجاب الكثير من الفنانين؛ علي الحجار وعفاف راضي ومحمد الحلو منها ألبومات: «تجيش نعيش.. زي الهوى.. سوسة.. وبتسأل يا حبيبي» إلى جانب ألبومات فرقة الأصدقاء وفوازير «حاجات ومحتاجات» للفنانة الاستعراضية شريهان.
وساهم سيد حجاب بمقالات نقدية لمجلة «الآدب» البيروتية وجريدة «المساء» ومجلة «صباح الخير» ومجلة «روز اليوسف».
وكان لحجاب دور وإسهام فى الحركة الثقافية فقد شارك في تأسيس مجلة «جاليري 68» التي تأسست في أعقاب نكسة 1967، وقد ضمت إدوار الخراط وغالب هلسا وإبراهيم فتحي و حسن سليمان وغيرهم، لتكون بشارة كتابة جديدة مختلفة سعت لتغيير مناخ الكتابة الأدبية ومن ثم قدمت العديد من أدباء السبعينيات والثمانينيات.
جاء رحيل سيد حاجب المولود في 23 أيلول عام 1940 عن عمر يناهز السابعة والسبعين عاماً عام 2017، مخلفاً وراءه نبعاً لا ينضب من الإبداع المتجدد.
ونقرأ في رثائه للموسيقار عمار الشريعي:
«خايف يا صاحبي بموتك يبتدي موتي.. مهي ناس توصل في ناس وكلنا مروحين.. بس إحنا حتى إن رحلنا برضو مش رايحين.. هنعيش في ريم وفي مراد وفي دندنات الولاد.. بغنوة فارشة على ممشى الشقى رايحين».