إن تقدم الرياضيات أدى إلى إحداث تغييرات شاملة في مفهوم العلم تجلت في الاهتمام بردّ وقائع الحس إلى أرقام وإحالة الظواهر الطبيعية على مخططات بيانية وصور فوتوغرافية تتحول بدورها إلى أرقام، ومن هنا ذهب بعض فلاسفة العلم إلى وضع إشكالية المعنى بدلاً من إشكالية الملاحظة في مكان الصدارة فاحتلت الرمزية مكان التجريبية بعد أن تحققوا من أن إمدادات الحس ما هي إلا رموز وهكذا استحالت الوقائع العلمية إلى صيغ رمزية وأصبحت القوانين دلالات رياضية مما اقتضى تحليل الرموز من أجل فهم العلم، ولكن بعض فلاسفة العلم من أمثال الباحث والمفكر والفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار تمسكوا في تفسير العلم بضرورة العودة إلى مفهومي النزعة الواقعية والنزعة العقلية انطلاقاً من نظرتهم إلى تاريخ العلم بأنه محاورة بين العقل والعالم أو بين النظرية والتجربة تأكيداً على العلاقة الجدلية بين الواقع العلمي والعقل العلمي أو بين النزعة الواقعية والنزعة العقلية في كل نشاط علمي، فهما على حد تعبيره تتبادلان النصائح فيما بينهما بشكل غير محدود، ومعنى ذلك أنه لا يوجد منهج تجريبي صرف ولا منهج عقلي بحت بل لا بد للعلم من التجربة والنظرية معاً وهكذا يكون العلم عبارة عن ملاحظة وتجربة وتحليل وتركيب وتعميم وتفسير وبالتالي يكون التفكير العلمي بحسب باشلار هو ذلك الذي يقرأ المركب في البسيط ويضع القانون بمناسبة الواقعة ويتحدث عن القاعدة حين يكون بصدد المثال.

المصدر : تشرين

أضف تعليق


كود امني
تحديث