يترادف لفظ الحكمة مع ألفاظ أخرى تدل جميعها على الإتقان والصنعة وإن بقي لفظ الحكمة يوحي بدلالات تتجاوز الأشياء المادية الملموسة إلى ما تنطوي عليه من أسرار عميقة وأغراض دقيقة ذات علاقة بقدرة الصانع فاللغة الموصوفة بالحكمة نظام ذو صنعة دقيقة يرتبط بوجود صانع مبدع ذلك أن الكشف عن مظاهر الصنعة والإبداع في اللغة ليس إلا وجهاً لإثبات عظمة ذلك الصانع وحكمته وربما تفضي مناقشة لفظ الحكمة على نحو ما تردد في كتابات ابن جنّي إلى نتائج تفيد في بناء تصوره لعلاقة الشعر باللغة وهي القضية التي أخذت حيزاً مهماً في محاور التفكير الأسلوبي المعاصر من حيث إن ابن جني نظر إلى اللغة العربية باعتبارها إبداعاً فهي تمتلك من الخصائص التعبيرية ما يجسد صنعتها ودقتها وغموضها..

هذه النعوت التي تثبت أن ابن جني سعى إلى إظهار الخصائص الفنية للغة العربية والحق أن الوعي بهذه الخصائص يعد وسيلة منهجية لإدراك طبيعة لغة الشعر فالشعراء يتعاملون مع أداة عامة لها إمكاناتها التعبيرية والجمالية ولعله من المفيد الرجوع إلى هذه الإمكانات على نحو ما تقصاها ابن جني حتى يتم إدراك نوع العلاقة التي يقيمها الشاعر مع اللغة التي يرجع إليها وهي العلاقة التي استأثرت بالأسلوبية المعاصرة التي اقترحت مجموعة من الصيغ النظرية الضابطة لمعيار عام ومجرد في تحديد لغة الشعر وإذا كان البحث في مؤلفات ابن جني عن قاعدة عامة ضابطة للشعر على نحو ما قام به بعض الدارسين المعاصرين فذلك لأنه لم يكن منصرفاً إلى صياغة تعميمات من قبيل تعميمات الأسلوبيين المحدثين الذين كانت لهم دون شك أسئلة مختلفة عن تلك التي طرحت على العلماء الأوائل ولكن هذا لا يمنع من أن يلتقي تفكير ابن جني بالتفكير الأسلوبي المعاصر غير أن ذلك لن يكون أكثر أهمية من اختلافه عنه.

المصدر : تشرين

أضف تعليق


كود امني
تحديث