مَنْ له الفضل في صناعتها وإحداثها هل هو الفنان؟أم القارئ ؟ أم المادة الابداعية نفسها؟

هل يمكن الحديث عن لذة النص التشكيلي؟

ما خصائص هذه «اللذة» وما شروطها؟

مما لا شك فيه أن اللوحة التشكيلية او المنحوتة تمثل حالة إبداعية وإذا اعتبرنا جدلاً أن اللوحة نص تحكمه نسقية التعبير الصامت (غير اللفظي) ما يجعله حقلاً مملوءاً بالدلالات والمعاني الصورية الرمزية والوصفية وإذا اعتمد نقاد الأدب على مصطلحات ومفاهيم تم تطبيقها في قراءة النص الأدبي باعتباره سطحاً ظاهرياً مثل الدال والمدلول والعلامة والدلالة والمفهوم والسياق فإن هذه المفاهيم تنطبق على الصورة أو المشهد التشكيلي (اللوحة – المنحوتة) فقراءة اللوحة هي قراءة بصرية تعتمد على الأثر اللوني والكتلة الشكلية والارتدادات الحسية التي تبثها اللوحة من خلال المؤثرات التكوينية للشكل وهنا تتفاوت مؤثرات التلذذ من خلال الدلالات والمعاني التي تترجم من خلال المتلقي، من هنا يزداد التلذذ بالنص التشكيلي المرئي (الذي يخاطب العين) ارتباطاً بمدى ادراكنا لبنيته وفهمنا لمركبه الدلالي ما يعني أن القارئ للعمل الفني مدعو الى ممارسة دور المحلل للعلامات البصرية التي يشتغل عليها الفنان من أجل التواصل الحسّي والفكري للتراكيب التعبيرية والوصول الى درجة الاستمتاع بالقيم الجمالية التي تنتجها اللوحة.

تاريخياً ترتبط «اللذة» في الفن التشكيلي بالموضوع حيث احتلت فيه المشاهد السردية والدينية والميثولوجية والبطولية حيزاً مهماً عبر مجموعة من حقب التاريخ قبل أن يستقر على الإنسان في صورة مثالية وكمالية مثل «النحت الإغريقي والتصوير الكلاسيكي».. هنا يصعب ضبط تطور الموضوع التشكيلي في صورة متكاملة بسبب التشعبات الكثيرة، والمغالطات التاريخية التي ميزت وأحاطت بهذا الحقل الإبداعي مقارنة مع المجالات الإبداعية الأخرى، ومن باب الاستدلال حين ظهرت المدرسة الانطباعية أثارت زوبعة من السخرية والاستغراب وعدّها الجمهور نوعاً من الاستفزاز وانقلاباً على الذوق العام آنذاك وللموازين التي تربت العين عليها (حسب معايير الذوق البرجوازي).

ولم يعلم الجمهور بمن فيهم النقاد والمؤرخون أن المدرسة الانطباعية التي عدّت فضيحة ابداعية ستحقق تدريجياً امتاع «لذة» كل مشاهد.

هذا الامتاع الذي استعمل سابقاً لتحديد ظواهر الأشياء من لون وصفي إلى مستقل ودينامي يخاطب العين قبل أن تخاطبه، ما هو إلاّ دعوة لخلق التآلف اللوني داخل اللوحة عن طريق العين.

ومع أن مفهوم «اللذةّ» يتأثر بمدى استعدادنا لرؤية الشيء بعدة طرق ومشاعر، سنجد فيما بعد ومن خلال حالات كثيرة قد تتحقق مع أشياء قبيحة بمعنى أن «القبيح» قد نحوله بذوقنا إلى مادة تدخل في بناء لوحة ذات جماليات دينامية تمنحنا عامل التلذذ بالشكل الفني.

مثل الدادائيين فقد وجدوا لذتهم في التخريب والفوضى فرضتها عليهم ظروف الحرب وأهوال الدمار الذي ألقى بظلاله وظلامه على العالم وعلى الأذهان والنفوس البشرية حتى اصطبغت هذه اللذة بتلك الألوان القاتمة والمأساوية وأفرزت تعبيرات سيكولوجية كئيبة أطلق عليها آنذاك (الفن ضد الفن)؟

فإن التلذذ بما هو جميل أو قبيح لم تؤسس كإطار علمي قابل للدراسة النقدية العلمية سوى بعد اقترانها بالإحساس الذي نمارسه وقت مشاهدتنا أشياء جميلة أو جميلة في صورة قبيحة حيث ظهر فن الإحساس أو (الاستطيقا) أو علم الجمال.

عموماً يطرح هذا الموضوع إشكالية كبيرة يعكسها تحفظنا في فهم المعنى الحقيقي لعنصر (لذة النصف في الفن التشكيلي) الذي تتقاطع بداخلة مجموعة من العلوم النفسية والاجتماعية والفلسفية، وأخيراً فإن الفن التشكيلي لا يمكن مقارنته من الناحية البنائية بالنص الأدبي ولا حتى من خلال العملية التحليلية.

لذا فإن الفن التشكيلي أو اللوحة التشكيلية لا يمكن محاصرتها أو ثباتها بمرحلة أو بفكر ثابت, فالفهم البصري يعتمد على المتحولات لا على الثوابت في إنتاج اللوحة المعاصرة.

المصدر- صحيفة تشرين

 

أضف تعليق


كود امني
تحديث