يختصر اسم «العصفور الأزرق» الذي أطلقه سعيد عقل على الشاعر إلياس الفاضل (1933 مرمريتا)، الكثير من تفاصيل شعره وتلويناته التي أدخلها إلى القصيدة الحديثة، فرغم أن الفاضل كتب القصيدة العمودية والتفعيلة في بداية تجربته الشعرية، لكن خصوصيته وبصمته المختلفة حضرت بقوة في قصيدة النثر حيث يُعدّ من روادها المهمين إلى جانب الماغوط وسليمان عواد وإسماعيل عامود الذي رحل منذ عدة أيام هو الآخر.

يرحل الفاضل، صاحب «أوراق جريحة» وهو أول كتبه النثرية وصدر سنة 1958، وفي المشهد أسئلة جوهرية تعصف بهذا النوع من الكتابة، كأنه شاء أن يكون الفارس الأخير الذي يترجل من فضاء قصيدة لطالما حفلت بالإشكالات والجدل الذي عاصره شخصياً منذ صدور ديوانه ذاك إلى كتاب «أحزان القمر الأخضر» و«تحت سماء آسيا» وغيرها من العناوين، وصولاً إلى آخر أعماله الشعرية «بقايا اللوح المكسور» الصادر سنة 2008.

يقول الفاضل: إن ما كتبه في بداية تجربته الأدبية من شعر عمودي وتفعيلة، لم يكن ليلبي تطلعاته أو يروي عطشه. ذلك الهاجس -الذي ما فتئ يدق مخيلته- ولد على شكل قصائد نثرية قام بنشر أولها في مجلة «الناقد» التي كان يديرها سعيد الجزائري، ومن ثم في مجلة «الأديب» لصاحبها ألبير ديب وكان مقرهما في بيروت، الأمر الذي أعطى تجربته ثقة وحافزاً أكبر لاكتشاف ملامح هذا النص الاحتمالي والتجريب به أكثر. رغم كل هذا لم تهدأ السجالات وكان لمقال الشاعر «سعيد عقل» المنشور في مجلة الصياد اللبنانية عن ديوان الفاضل «أوراق جريحة» دور مهم في حسم المعركة لمصلحة الفاضل ضد منتقديه من مؤيدي الكتابة الكلاسيكية. يقول عقل في ذلك المقال: «إلياس الفاضل شاعر معرفة جعل الحياة بكلماته أشبه بأسطورة».. هذه التفاصيل تصور إلى حد كبير مفهوم الولادات العسيرة والانتقادات الشديدة التي تعرضت لها قصيدة النثر في بداياتها الأولى.

يقترب الفاضل في سوداويته من فضاءات الماغوط، كأن الاثنين زرعا بذور قصائدهما في حقل الأسى نفسه، لتتطور التجربة لاحقاً من الذاتيات والكآبة الفردية إلى الهموم العامة السياسية والوطنية، لكن من دون أن تفارقه تلك التراجيديا التي أصبحت من معالم نصوصه على اختلاف مراحلها كأن هناك قدرية كانت تدفع هذا الشاعر لأن يكون ناطقاً رسمياً للحزن. هكذا ترجمت معظم قصائد الفاضل إلى اللغة الفرنسية، وكان عمادها الأول الصدق، حيث صرح في غير مرة أنه يكتب كأسلوب حياة ونظرة إلى الكون والمفردات المحيطة ولا يهتم بالتالي بقواعد الصور والتراكيب والمجازات، حيث يتدفق الشعر من دون تخطيط مسبق وتلك العفوية الصادقة هي أهم السمات لديه!.

في مختلف اللقاءات، يعبر الفاضل عن رفضه للكثير من التجارب النثرية الجديدة التي وقعت في مطب الاستسهال والابتعاد عما يسميه «جوهر الشعر» الذي يفهم منه غياب عامل الصدق والموهبة وحضور التكلف والهشاشة على حساب العمق ومهارات النثر.

رغم كل ما كتبه الفاضل من أجل تكسير الحياة بالحب -كما يصف-، لم يكن لينجح تماماً في هذه المهمة الصعبة، وإذا كان البعض سماه شاعر الظل، فإن حال الفاضل وعزلته الأخيرة تبين الكثير من خصوصيته الإبداعية والشخصية، وهي صفات ليست بالجديدة عليه، هكذا كان على الشاعر الطفل أن يكف عن الحياة عندما استعصت مفردات الدهشة على جسده المنهك بالمرض والسنين. وإذا ما بحثنا عن دور المرأة في نص الفاضل تبعا لحالته الطفلية الدائمة، نعثر عليها رفيقة وحبيبة أهداها الكثير من الشعر والحفاوة حيث يمكن الحديث عن أمّ أولى هي المرأة، وثانية هي الطبيعة، والاثنتان شكلتا ملجأ حمى الفاضل من نوائب الدهر كما يصف.. الطبيعة كانت تشده نحو الخصب كلما أدركه اليباس والتصحر، والمرأة كانت الحافز والمحرض على الاستمرار والبحث عن الشيء الجميل.

بشكل ما يختصر ديوانه «بقايا اللوح المكسور» الكثير من حالات الفاضل وسوداويته وروح الطفل فيه.. يقول عن كتابه هذا: «من أكثر دواويني التي تعبر عن نفسي.. فهو فعلاً بقايا اللوح المكسور في ذاتي ووجودي أتحدث فيه عن الآلام واليأس والبؤس في نهر الإنسان فهو صورة كاملة عن معاناتي الشخصية». في لوحه المكسور الأخير الذي صدر عن جريدة «البناء» الدمشقية سنة 2008، نعثر على مكاشفات عميقة على صعيد الأفكار والحالات النفسية والوجودية التي اعترت الشاعر في مراحله المختلفة، كأنه جردة حساب كاملة لتجربة ملأى بالأثمان الباهظة التي يتطلبها الشعر عادة، كما أنها على صعيد الأسلوبية التي انتهجها الشاعر، تشكل عودة إلى جذور قصيدة النثر في بواكيرها الأولى، في عذريتها وعفويتها وسهامها الصائبة.. كأن الشاعر الذي لم تتغير تقنياته الشعرية بسبب تقادم السنين، شاء أن يحسم شيئاً من الواقع النقدي لقصيدة النثر ولاسيما أنه سبق أن وجّه العديد من الانتقادات إلى كاتبيها اليوم، ليبدو المشهد أمام سؤال جوهري يخص تلك الكتابة: هل أصبحت قصيدة النثر بلا فارس بعد رحيل الفاضل فعلاً؟.

المصدر- صحيفة تشرين

 

 

أضف تعليق


كود امني
تحديث