روزة شحيّد ولدت في صمّا (السويداء) عام 1946 لتكون باحثة وشاعرة متميزة، لكن الظروف في تلك الفترة كانت تجبر الفتيات على البقاء في البيت لمساعدة الأهل، ولذلك فقد انقطعت عن الدراسة بعد أن حصلت على الابتدائية،

لكنها لم تنقطع عن القراءة يوماً، وعندما تزوجت وكبر الأولاد تابعت الدراسة معهم، وحصلت على الإعدادية والثانوية، ثم الإجازة في التاريخ من جامعة دمشق، ولم تكتف بذلك، بل حصلت على دبلوم التخصص في علم الآثار، وعلى الدراسات العليا في تاريخ الشرق القديم من جامعة دمشق أيضاً.

نشرت الباحثة والشاعرة الشحيّد عدداً كبيراً من المقالات والدراسات التاريخية والأثرية والقصائد الخاصة في موضوعاتها في الصحف المحلية والعربية والمهجرية ولاسيما جريدة (الأخبار) الكاليفورنية (كاليفورنيا)، حيث مازالت تعيش، وهناك في لوس أنجلوس انتسبت إلى اتحاد الصحفيين العرب وإلى اتحاد الصحفيين العرب الأمريكيين، ونشرت ديواني شعر هما: «رياح الإلهام» و«شرارات وأوراق»، وهي الآن تخوض في البحور الماورائية كما أخبرتنا، وذلك في دراسة ميتافيزيقيا الصراع بين الخير والشر، وإبداعاتها شعراً ونثراً مزيج من الأجناس الأدبية والمضامين الفكرية.

التاريخ وتصويب الأخطاء

عشقت شاعرتنا دراسة التاريخ ومسالكه الوعرة لتصويب الأخطاء –كما تقول- لأنه مخزن ذخائر وتجارب الأسلاف وخبراتهم حيث الدروس والحكم، وما الحاضر إلا انبثاق للماضي، كما أن المستقبل انبثاق من الحاضر، وتتابع: «اقتحم حياتي الجبابرة الهومريون فاتحين للنور نوافذ هوميروس وفيرجيل ودانتي والثالوث الفلسفي سقراط وأفلاطون وأرسطو الذين تسلقوا درجات المجد وغيّروا بأفكارهم وفلسفتهم وجه الأرض»، وها هي روزة تُحاصر كما حوصرت طروادة وتمضي مع جلجامش للبحث عن سر الخلود فتقول: «لقد توغلت في التاريخ وأسراره وثناياه فحوصرت كما حُوصرت طروادة الملتهبة ورافقت جلجامش في بحثه عن أعشاب الخلود، وأبحرت في مراكب فينيقية إلى ما وراء البحار. وقفت خاشعة أمام جلجلة الصلب وأمام كأس سقراط المسموم اللذين ضحيا بحياتهما من أجل أن تنبت سنبلة الحب وبذور الرحمة والعدل والإخاء وتزهر على الأرض كلها، لقد صدمت إذ رأيت النسخة البالية من الأبطال الذين يتبجحون بقوة «آخيل» ويضعون العسس على أبواب الحكمة والتعقّل حيث تزأر الرغبة بالعنف والقتل.

الشعر والفكرة والسهام

وعن الفنون الأدبية وانحيازها للشعر الذي يبعد كثيراً عن التاريخ قالت: الفنون الأدبية يكمل بعضها بعضاً، بيد أن في الشعر آفاقاً جديدة ورؤى شفيفة وإحضاراً للمستقبل ومعرفته أحياناً، وفيه تموت أفكار وتولد أفكار وتهرول الصور والخيالات مسرعة كالسهام تبحر كقارب بلا مرساة لتحط على الورق، وفيما يتعلق بتجربتي الشعرية في كاليفورنيا فهي مختلفة لأن العزف على أوتار الحنين في الغربة عزف مختلف يخرج من القلب ليصل إلى القلب، إيقاع يهز المشاعر وكل نغم يلامس وتراً من أوتار القلب فأحيل تمتماتي إلى ابتهالات وآهاتي إلى صرخات عالية.

الشعر والتاريخ

وهل يمكننا أن نسرد التاريخ شعراً كما فعلت الإلياذة والأوديسة والإنياذة، وكما فعل العرب في «الزير سالم» وسواه، تقول: من الصعوبة بمكان أن نعبّر بالشعر عما يختلج دواخلنا من أحداث تاريخية ومبادئ فلسفية أو فكرية، لكن الشعر بغناه المتنوع يتوزع كالنسغ من الجذور إلى الأوراق، ويتخذ أشكالاً وألواناً متآلفة حيناً ومتباينة أحياناً، فيمنح الوقائع أجنحة رشيقة... نعم لقد كتبت القصيدة التاريخية في ديواني «شرارات وأوراق» ذلك أن أساطير الشعوب القديمة وفنونهم تأسرني، وسيرة الأبطال والمكتشفين، فمذ أن غصت في أعماق هومر وفيرجيل تسللت أرواحهم إلى فكري وقلبي فأملوا عليّ خيالهم، لذا كتبت مزامير تموز وقيثارة أورفيوس السحرية وأجنحة إيكاروس الشعرية..

تقول شحيّد في قصيدة «سقراط في الأكربول»: أنرت شمع الحلم... عانقت الرؤى.. خلف انبهار العقل... كنت اللؤلؤ المخبوء في قلب المحار... إذ تقطف الأقمار وتصعد بالسؤال فتدق رأس الحكمة الزهراء.. تورق في شفاه الصدق.. توقظ فرحة سكرى بأفواه الدوالي.. ينتشي كُهّان دلفي.. فيعطرون الهيكل القدسي.. تزهو رقصة الأحلام في قلب السؤال.. رف الحساسين التي هدلت.. صعدت فرح الغناء وأشعلت في حلكة السجن الضياء.

الوطن والحرب

وعن الوطن والحرب التي تُشنّ عليه والغربة قالت: بعثرتنا الحرب في المنافي والشتات والحوت الضخم الذي يجثم فوق صدورنا يمتد به الوهم فيرى الآخر مثالاً للشر وينطلق في عنفه ليبني مملكة الله على الأرض، فصبراً يا وطن الحب والخير والحقيقة الحية مغطاة بالجروح، ولن ينطفئ النور ولن تخبو جذوة العقل وكل هذا العذاب والألم من السبي والقتل والنهب نجمة تضاف إلى نجوم سورية الواعدة.

مــــن شـــعرها أيضـــاً:

لبست أثينــا بعـــد قتـــلك

ثـــوب حكمتها المـوشى

بالـذهـــب

وتراقصــت بالعقــــل

أهـــداف القصـــب

نهضت تلملم مثلنـــا عـــار

الهـزيمــــــة

فـــوق عـرش مــن فقـاعات

اللــــعب

وعلى جـــدار الحـــق كـــم

رســـمت لنــــا

بقعــاً مـــن الــدم المـــزين

بالمحـــاكم والكـــذب

المصدر- صحيفة تشرين

أضف تعليق


كود امني
تحديث