أحلام غانم تعرّف عنها مجموعاتها الشعرية، فتظهر أنثى من الماء، متأملة وعابدة تتهجد وتتعبّد في صومعة سوريّة، لا فوانيس لها أقوى من القصائد الوطنية المنظومة في الحب والدمع والياسمين والسنديان والتراب والدم..

من على عتبة الحرف وقفتْ منذ نعومة أظافرها، طفلة كانت تعشق الرسم والشعر والموسيقا، تخفت فترة من الزمن تحت اسم «جلنار البحر» وفجأة من دون أن تدري أصبحت «امرأة بكى في عينيها أوليس» أدهى آلهة الإغريق لا لشيء سوى لأنها عاشقة حقيقية منذ الرمق الأول وصادقة حتى الرمق الأخير، حلم الذات السورية يقع في خانة سعيها، ولا انفصام بين الأنا الشخصية والذات الوطنية السورية الحاضرة في مملكة الكتابة وحبكة الحياة وأحلامها.. تراقص حلمها، وحيث يكون «الرقص على رماد الجسد» طقساً من طقوس العبادة، ومحاولة لتفريغ الداخل من شوائب المعاناة الإنسانية وتوتراتها، والسمو بها نحو فضاءات أكبر ومدى أوسع، «وينكسرُ الغياب» فترى ما لا يراه الناس «في حضرة الرصاص»، قدر الأحلام ألا تتحقق لكنها تصنع رحيق الزهور وعبق اللهب القدسيّ -أحلام- على الرغم من براءتها هي قصيدة حلم عابرة نحو متلقٍ يعرف كيف يفسّر أحلامها من دون نزق، لأن الذات التي ينبغي معرفتها إنما تمثِّل العالم بأسره.

عن تجربتها الشعرية كان لـ «تشرين» هذا الحوار فإلى التفاصيل:

• حدثينا عن بدايتك مع الكتابة؟

•• كل البدايات لها طفولة، وطفولتي الكتابية بدأت وسط أمواج البحر العاتية والصامتة الناطقة بالنبوءة والرسالة ورحيق النور الذي كان بمنزلة بداياتي رغم معرفتي أن التجربة الإبداعية تمر في مراحلها التكوينية بما يمر به الجسد البشري من الملاحظة والمحاولة والخطأ والتجربة، فالقصيدة بجرسها وتفعيلتها وتركيبتها تذكِّرنا وتستعيد إلى وعينا سر الحياة وسيرورة مراحل خَلْقِ الإنسان.. الكتابة منحتني شيئاً من التطهر، ونقطة شروعي الأولى بدأت بعد أن طاردتُ آهاتي لأكتشف ذاتي ووجودي مع إشراق أول شعاع من القلب.

• ماذا يعني لك الشعر؟ وكيف تصفين علاقتك به؟ وما الرسالة التي تريدين إيصالها من خلاله؟

•• كم هو صعب تحديد ما يعني لي الشعر من جهة وكم هو صعب ربطه بوجهة نظر وحيدة وأجندة تحبسه فيها لأن الشعر افتراضات على الوجود، واللغة الشعرية مرتبطة بالطاقة الحلمية للإنسان من جهة وبالحرية من جهة أخرى.. الشعر ابن الميتافيزيقيا الذي يلهب شموع الروح والجسد وأداة المعرفة المطلقة الوارد من كل شيء والحاوي كل شيء، والجوهر المقطر من ماء الروح.. علاقتي بالشعر كعلاقة الأم بوليدها.. إنَّ كُلَّ كلمةٍ في قصائدي كانت وستبقى مشدودةً بحبلٍ من الضوءِ السريِّ النديِّ إلى هذه الأم التي اسمها سورية.. إلى قلبها المشتعلِ بالحنان.. لذلك إله الشّعر يحترمني وأشعر بأن بيني وبينه مسحة من الرسولية ولا يستريح إلا في قلبي ربّما رآني كيف شقّقت طريقي بنفسي إلى وادي الشعر المرعب، وكيف تمردتُ على ذاتي أولاً تمرداً أنثوياً يحرك الممالك الحالمة في روحي كي تزهر من أحلامي، أسعى للوصول بالذات إلى مرتبة عليا من التكامل الإنساني ولا أريد إلا مناصرة الحق والخير والجمال عبر زيادة إحساسنا به، وما تحرير الفعل والكتابة سوى تحرير للوعي بالذات!‏

• ما هي مقومات القصيدة الناجحة في رأيك؟

•• لا شك في أن كُلّ شيءٍ ينتجه الإنسان لا يتوخى الإنسانَ ورقي روحه وسمو رؤاه هدف لن يكتب له النجاح أو البقاء.. لأن المعنى ابن الواقع والشعرية ابنة اللغة الصادقة التي تهزُّ الحلمَ البشري بكل قوة لكي تتولد أنساق جذرية جديدة تتفرع على شكل أمكنة معرفية متجددة وأزمنة وجدانية دائمة الانبعاث.. فالقصيدة: جسد أنثوي شعري قوامه اللغة - بمعنى- اللغة هي الرحم الأول لنشأة المعيار البنيوي والتي تعول على صياغة المعنى، وحلي وجمال وعطر هذه الأنثى /الملكة/ القصيدة في لغتها وتظهر بشكل جينات تاريخ وموروث ولغة وفكر وعاطفة وخيال وذوق، وتتخذ من عناصر الطبيعة وعاءً لقضايا الفكر مقاييس جمالية وإيقاع..

• صدر لك مؤخراً رواية بعنوان «في حضرة الرصاص» وهو أول عمل روائي لك، حدثينا عنها؟

•• «في حضرة الرصاص» رواية تسعى إلى تكريس صورة الإنسان كما أرادها الله على الأرض، والقصد ليس الانتصار لشكل من أشكال الفن، لأن التشكل الروائي ليس صيغة وحسب، وإنما مادة اجتماعية إنسانية هدفها تقديم صورة دقيقة عن مجتمع يعاني قلق التحول الافتراضي، وعنكبوت الماسونية والصهيونية والرجعية العربية وحرب المفاهيم وانقلاب المصطلحات واستبدال مفهوم الفكر بالكفر والحرية بالحورية وغزو الفكر الوهابي وتمدد أصابع السرطان العثماني إلى كل شيء جميل تحت عناوين تسيء لمفهوم العروبة والإسلام.

تبنَّت رواية «في حضرة الرصاص» مَسْلكاً سردياً مؤمناً بجدلية الاندغام بين الفلسفة والفكر والشعر والنثر والدخول إلى رُدهة العقل وخطابه عَبْر تحليق العقل والوجدان، رغبةً مُرتجاةً في الوصول إلى بناء ثقافة تسمو بالإنسان إلى ما يجب أن يكونَ عليه والإصرار على إمكان الصمود والمقاومة أمام قوى الشر والإرهاب والموت المعنوي.

• موقفك مما يحدث في سورية كان واضحاً منذ البداية، فإلى أي مدى تجدين نفسك ملتزمة كشاعرة ومبدعة بقضايا الوطن؟

•• سورية على مدى التاريخ مرجع الحق، وأنا مسكونة بالوطن والشرف والإخلاص، ومرفرفة على جناح المقاومة والفداء، ملقية وراء ظهري كل أشكال اليأس، وقد تسلحت بالفكر، وتوضّأت بماء الشهداء وعملت على إعمال العقل وأسعى ليل نهار إلى انعتاق كامل من الحالات الضعيفة، للارتقاء بقلمي إلى ألق المجد والعزة والاستبشار بالنصر أو نيل الشهادة العظيمة.. سقطت أقنعة المثقفين الذين انجروا وراء وهم الربيع العربي، وسقط عرش إمبراطوريتهم الوهابية الظلامية وثقافتها السوداء.. أي ثقافة تلك التي تجعل من المثقف تحت أي ظرف يقرأ ما حوله بفكر عدوه ويطعن الوطن أو يتورط بالخيانة ويحرض على قتل الأخ لأخيه الإنسان؟

الأزمة في سورية حدَّدتْ وتحدّد بشكل تلقائي معايير تحديد قطاع المثقفين بين مثقف ينتمي إلى قطاع الثقافة الإنسانية أو مثقف ينتمي إلى ثقافة الذبح والتكفير الوهابية ومافيا الدين وقطاع الرؤوس والطرق، ويجب أن يحاكم وبسرعة هؤلاء الذين حملوا لقب النخبة الثقافية الذين لم يتمكنوا من تسويق أفكارهم الجهنمية ومواقفهم العميلة إلا عبر فضائيات الفتنة والتحريض الطائفي.

• انتشرت مؤخراً ظاهرة الصالونات الأدبية والملتقيات الثقافية كيف تنظرين لهذه الظاهرة؟

•• الصالونات الأدبية والملتقيات الثقافية ظاهرة قديمة في تاريخنا الأدبي والاجتماعي منذ أن كانت سكينة بنت الحسين تعقد صالونها الخاص، وقبل ذلك بكثير عندما كان يعقد النابغة الذبياني ندوته النقدية.. وفي العصر الحديث كان صالون (مي زيادة وصالون العقاد الذي شهد حوارات ومساجلات عديدة وغيرهم).. ويستمد كل ملتقى ثقافي نكهته ومذاقه من اهتمامات وتوجهات القائمين عليه، لذلك فإن هذه الملتقيات ليست سواء، ومن ثم فإن صعودها أو هبوطها، ونجاحها أو إخفاقها مرتبط بوعي القائمين عليها.. وليس ثمة من ينكر دورها في نمو الحس الثقافي، إلا أن هناك بعض الملتقيات التي تنشر قيماً سلبية استهلاكية وتروض لألوان من النميمة والانحراف والتفاهة.

ومن خلال تجربتي الشخصية سأسمي الأشياء بأسمائها: وجدت عقبات تواجه ملتقى بانياس الثقافي كضحالة ثقافة أعضاء الملتقى على مستوى اللغة والموضوع والرؤية والطرح.

ولاحظتُ وبحزن شديد هذه الشلّلية كيف تنقد وتحاور وتتعالى وتنظّر وتأخذ دور الأستذة على ضيوفها في بعض التفاصيل في أفكار غير ناضجة في أذهان أصحابها بسبب قصور في الثقافة أو بُعد عن التخصص فيه ما يهدر الوقت والجهد ويحول الحوار إلى جدل عقيم أو سفسطة لا ضرورة لها ما يصرف البعض عن حضورها.

• نراك حاضرة بقوة في جميع النشاطات الثقافية في طرطوس، كيف تقيمين المشهد الأدبي والثقافي فيها خاصة وفي سورية عامة؟

•• الحديث عن المشهد الثقافي السوري بكل تجلياته أمر شائك ومتشعب ذلك لأنه يمثل سلوك حياة ولا يمكن حصره بمجال من دون آخر، الوضع شديد التعقيد، سواء فيما يتعلق بعلاقة المثقف بذاته، أو علاقته بالمؤسسات الثقافية، والمرحلة التي نعيشها الآن رغم الحرب الكونية على وطننا سورية تشهد النشاطات الثقافية في طرطوس وهجاً ثقافياً ووطنياً بسبب قبلة الحياة التي وهبها الشهداء وواكب صيرورتها الشهداء الأحياء لتنتعش الثقافة الجمعية المتمسكة بالثوابت الوطنية والنهج المقاوم.

المصدر- صحيفة تشرين

 

أضف تعليق


كود امني
تحديث