«الوطن يبقى قوياً عندما تبقى ثقافته على قيد الحياة» شعارٌ انتهجه العاملون في مديرية الآثار والمتاحف عهداً للمحافظة على حضارة وتاريخ سورية الوطن، في الندوة العلمية التي أقامتها المديرية بشأن واقع الآثار السورية خلال الأزمة، التي عقدت مؤخراً في القاعة الشامية في المتحف الوطني في دمشق.

لم يكن اختيار القاعة الشامية في المتحف الوطني كمكان لعقد الندوة عشوائياً، فإلى جانب كون المتحف تابعاً لمديرية الآثار والمتاحف السورية الملاصق له، فقد كانت جمالية القاعة اللامتناهية بأرابيسكها وموزاييكها وفسيفسائها، تصرخ بصمت بضمائر الحضور، أن أنقذوا جمال سورية وتاريخها.

سورية التي شهدت عشرات الحضارات الفينيقية والكنعانية والآشورية والتدمرية والسومرية، كانت ومازالت بوابة التاريخ التي انطلقت منها الأبجدية الأولى واللحن الأول، وفيها قامت جامعة ماري –في تل الحريري- أول جامعة في العالم، وقدمت أول نظام لدولة مدنية في العالم «دمشق» عاصمة الدولة الأموية، ولعبت سورية دوراً عظيماً لا يمكن لأحد إنكاره في نشأة وتطور الحضارة الإنسانية.

سورية قلعة دمشق وقصر العظم وقلعة المرقب وقلعة الحصن، وقلعة سمعان وتدمر، وعشرات الأوابد التاريخية والحضارية، ومئات الجوامع والكنائس الأثرية، تقف اليوم صامدةً أمام حرب وجود، تريد استهداف تاريخها وحضارتها، من خلال جموع مرتزقة همجيّة حملت -للأسف- الإسلام شعاراً، لتسوغ تدميرها لأوابد سورية، بحجة «الصنميّة» وبهدف السرقة والنهب والتخريب.

الندوة التي أدارتها مجموعة من الأساتذة والمختصين والباحثين في علم الآثار، وصفّت الواقع الحالي للأضرار التي تعرضت لها هذه الآثار خلال الأزمة وحتى الآن، عبر تقديم مجموعة من المحاضرات ذات الطابع العلمي والإنساني، تناولت الطرح العلمي لمجموعة من المشاريع التوثيقية والإجراءات الأمنية، والخطط التوعوية، والنداءات الإنسانية، وأطلق المحاضرون من خلالها الخريطة التفاعلية لتوثيق الأضرار لتصبح رسمياً في متناول الجميع على الموقع الرسمي لمديرية الآثار والمتاحف خلال أيام.

الكلمة الافتتاحية التي ألقاها وزير الثقافة عصام خليل، أشار فيها إلى أن «التراث السوري الإنساني تحوّل إلى وثيقة تاريخية تقدم إجابات حاسمة، تثبت عروبة المنطقة، وتهدم المشروع الصهيوني من أساسه، ولذلك كانت الآثار السورية هدفاً للإرهابيين، يعملون على تخريبها وسرقتها، في سياق العدوان الكوني على سورية، من أجل إعادة تركيب المنطقة، بما يفضي إلى استقرار المشروع الصهيوني» مشيداً بما قام به السوريون لإنقاذ تراثهم من النهب والعبث والتخريب، وبجهود العاملين في المديرية العامة للآثار والمتاحف، التي كانت «عاملاً حيوياً في حماية آثارنا وتاريخنا وهويتنا وجذورنا» ودعا وزير الثقافة إلى «بذل المزيد من الجهد لإعادة ترميم ما تضرر من آثارنا ليعود كما كان قبل العدوان، شاهداً على حقائق التاريخ، وهوية الجغرافيا، وعظمة السوريين».

نظم رقمية

المحاضرة الأولى التي ألقاها م.عبد السلام الميداني، كانت عن توثيق التراث السوري باستخدام أنظمة المعلومات الرقمية، مؤكداً أن القوة والنجاح لمن يمتلك المعلومات ويحسن استخدامها، مفصلاً المشروع إلى رؤية، وهدف، ومشاريع تنفيذية تشمل نظام المعلومات الجغرافي، وتوثيق المواقع الأثرية، وتوثيق الأضرار باستخدام أنظمة المعلومات الرقمية، التي تقسم إلى أضرار متمثلة في القطع الأثرية المنهوبة، والمباني المتضررة والمواقع الأثرية المنتهكة، كما تحدث «الميداني» عن مشروع الوسائط التوعوية، واستخدام موقع المديرية مرجعاً وحيداً لبيانات المديرية، وإنشاء مواقع التواصل الاجتماعي باللغتين العربية والإنكليزية، ومشروع الزيارة الافتراضية لمدينتي دمشق وحلب، مع تأجيل تنفيذه في الوقت الحالي، وأشار إلى قيام المديرية بتوثيق الأضرار في المواقع الأثرية والمتاحف عبر «غوغل إرث».

مشروع الوثائق التاريخية ومخابر الترميم هو إتاحة الخرائط الخاصة بالمباني والمواقع المتضررة للجميع، حيث يستطيع أي شخص معرفة هذا الضرر من خلال موقع المديرية، هي أهم المشاريع التي تناولها «الميداني» في محاضرته مشيراً إلى «أهمية أتمتة الأضرار وتوثيقها عبر نظم المعلومات الرقمية التي تتجلى من خلال حصر الأضرار ومعرفة حجمها عبر قاعدة بيانات مسبقة تعتمد عليها المديرية في وقت لاحق لتمويل عمليات الترميم والإصلاح» ومؤكداً أنه «يجب أن تكون لدينا قاعدة بيانات مسبقة، لا أن نبدأ من الصفر».

وعن إمكانية استخدام هذه المعلومات الموثقة في استعادة ما نهب من آثار سورية يقول الميداني: «هناك موقع الكتروني سيتم إطلاقه قريباً وهو خاص بالقطع الأثرية المسروقة في سورية، وستكون إمكانية الدخول إلى هذا الموقع في يد الجمارك السورية والجهات المختصّة في ملاحقة عصابات الآثار، إلى جانب مديرية الآثار والمتاحف، ويمكن ربطه مع الأنتربول الدولي، وهو يُتيح للمختصين الوصول إلى الموقع بسرعة للتأكد من القطع الأثرية المضبوطة ما إن كانت حقيقية أو مزورة، وبعد ذلك يمكن إنشاء لجان فنية لدراسة القطعة التي تم ضبطها».

الشعب المالك

الدكتور مأمون عبد الكريم- مدير مديرية الآثار والمتاحف وصّف في كلمته التي ألقاها في الندوة، الرؤية العامة للمديرية، مشيراً إلى ازدياد أعمال الحفر السري والممنهج والتنقيب العشوائي في المواقع الأثرية وتهريب القطع الأثرية من قبل عصابات آثار متخصصة، وإلى تحوّل بعض المواقع الأثرية إلى ساحة معركة، مؤكداً أن «السيطرة على الوضع ليست بالأمر السهل، وهي تبدأ بالتوعية، من خلال إشراك جميع السوريين في حماية تراثهم الثقافي، والتعاون مع أبناء المجتمعات المحلية لحماية مئات المواقع الأثرية من تداعيات الأحداث، مشيراً إلى نجاح حملة التوعية التي أطلقتها المديرية بعنوان «سورية بلدي، الآثار ماضينا ومستقبلنا لنحمها معاً».

التعاون مع السلطات المحلية والمنظمات الحكومية وغير الحكومية، والجمعيات الأهلية والجيش أسفر عن استرجاع 6000 قطعة أثرية، هذا ما أكده الدكتور عبد الكريم «لتشرين» مشيراً إلى: «ضرورة الاطلاع على الإجراءات المتبعة في موضوع حماية الآثار وتخفيف الأضرار عن المواقع الأثرية، وإخفاء القطع الأثرية في أماكن آمنة، ما ساعد في حماية 99% من القطع الأثرية، إضافة إلى حجم أعمال التوثيق التي جرت مؤخراً، وهي مناسبة لنطلق قائمة بجميع الأضرار التي لحقت بالآثار السورية من خلال خريطة تفاعلية، تتيح لأي إنسان في العالم أن يطلع عليها على الموقع الرسمي لمديرية الآثار».

وعبر منبر «تشرين» توجه عبد الكريم إلى الشعب السوري بالقول: «في النهاية نحن مديرية حكومية مسؤوليتها القيام بأعمالها من الناحية المؤسساتية والعلمية، ولكن المالك الأول والأخير لهذه الآثار هو الشعب السوري العريق، فإن تعاون أبناء الشعب السوري بطريقة صحيحة سيتم تخفيف الأضرار، ولن يسمحوا لعصابات الآثار بأن تعيث فساداً بتاريخنا، علينا جميعاً أن نتكاتف لنحمي ذاكرة الوطن التي تجمعنا جميعاً ونفتخر بها أمام العالم».

إجراءات الحماية

المحاضرة التي ألقاها الدكتور أحمد ديب- مدير شؤون المتاحف، ركزت على توصيف الأضرار التي تعرضت لها المتاحف في المحافظات، والإجراءات المتبعة لحمايتها، نذكر منها متحف الرقة الذي كانت له الحصة الأكبر في نهب محتوياته بنسبة 20% أي ما يقارب (900قطعة) إضافةً إلى المستودعات، تلاه متحف دير عطية بنسبة 3%.

تم استرجاع ما يقارب 6000 قطعة أثرية وغير أثرية من خلال تعاون الأهالي والسلطات المختصة، كما تم ضبط مكان خاص لتزوير القطع الأثرية في دمشق، هذا ما أكده الدكتور ديب في محاضرته، مشيراً إلى بعض إجراءات الحماية التي تم اتخاذها لحماية المتاحف، كإغلاقها بشكل كامل في المناطق غير الآمنة، وإفراغ محتوياتها ونقلها إلى مكان آمن، وتركيب أبواب حديدية على بعضها الآخر، مطالباً بضرورة إطلاق الحملات التوعوية عبر تعاون وسائل الإعلام المرئية والمسموعة، وإقامة المحاضرات التوعوية في المراكز الثقافية، وأهمية إشراك المجتمع المحلي بهذه الإجراءات، مطالباً بضرورة: «تعاون رجال الدين الإسلامي والمسيحي للمساعدة في نقل وحمايات الأيقونات الدينية إلى أماكن آمنة، حيث إن بعض الكنائس لم تتعاون مع المديرية».

وعلى الصعيد الدولي تحدث ديب عن أهمية مخاطبة المجتمع الدولي والتواصل مع المنظمات الثقافية والدولية «كالانتربول» الدولي واليونيسكو والايكروم وغيرها، للمساعدة في استرجاع القطع المسروقة، من خلال وضع صورها على القائمة الحمراء، والعمل على إيقاف عمليات بيع قطع أثرية في الخارج في المزادات العلنية، حيث أدى التعاون الخارجي -حسب ديب- إلى استرجاع 250 قطعة من الخارج حتى الآن.

عدد من المشاريع الإضافية طرحها ديب في محاضرته مثل مشروع الحفظ والتوثيق الالكتروني للسجلات المتحفية، حيث تم توثيق وأرشفة 140 ألف قطعة أثرية و99 ألف صورة مع بداية 2015م.

استمرار العمل في مشروع الأرشفة والتوثيق في أغلب متاحف القطر، واستمرار أعمال حفظ وحماية القطع الأثرية ودراسة مشاريع مستقبلية لعدد من متاحف القطر، وإعادة تأهيل حديقة المتحف الوطني في دمشق، وإنشاء باكورة متحف في جبلة، وطرح مشروع إعادة تأهيل وتوظيف بيت التراث الدمشقي، كلها من أهم النقاط التي ارتكزت عليها خطة مديرية شؤون المتاحف لهذا العام.

المصدر- صحيفة تشرين

أضف تعليق


كود امني
تحديث