(أُريد الإحساس بالشكل، ولا أُريد أن نقيد النحت بوحدة شكليّة مفردة، بل أن نربط ونجمع معاً أشكالاً متعددة، بمختلف الأحجام والاتجاهات، في كلٍ عضوي واحد. أريد أن يقترب المتلقي من الصفة الروحيّة، فبذلك إعادة للحياة ولحيويّة المادة، سواء في أعمالي النصبيّة الكبيرة، أو الصغيرة، لي رؤية للأشكال،

 بأن يكون لها ذاك التأثير). بهذه الرؤية الواضحة والعميقة في آن، يُطل النحات السوري أحمد الأحمد (الذي غادرنا أول من أمس) على شكل ومضمون فن النحت الذي عشقه، وأمضى عمره وهو يعالج كتله الوسيمة الناهضة في فراغاتها البهيّة، المنفذة في أغلبيتها من الصخور التي أعلن أكثر من مرة، تعلقه بها، وحبه لها، فهي تُثيره، خاصةً الموجودة حرة في الفراغ، بما تحمل من إيقاعات وتجاويف صنعتها عوامل الجو المختلفة بفعل الحت، أو بتأثير أمواج البحر، مؤكداً أن المادة التعبيريّة المستخدمة في تنفيذ المنحوتة تؤثر في الفكرة، لأن لكل مادة ميزاتها وبعدها الرمزي، مثلاً الحجر هو أزلي، يُعطي انطباعاً للفنان عن البعد الحضاري، وله معانٍ، إذ توجد أعمال تفرض على الفنان أن يقدمها بمادة الصلصال، ثم يحوّلها إلى مادة طويلة الديمومة، عن طريق الصب بالبرونز أو مواد أخرى.

رحل أحمد الأحمد: الإنسان النبيل، الطيب، الكريم، المحب، المهذب، الأنيس، الخلوق، والمبدع المُجدّد في أسلوبه وتقاناته ورؤاه وأفكاره، رحل بعد أن أمضى عمره في إنتاج فن النحت وتدريسه في كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق وجامعات أخرى في سوريّة، كان خلالها المعلم المقتدر، والزميل الوفي، والأخ والأب لكل طلابه.

فهذا النحات المولود في الباديّة السوريّة عام 1946، والحاصل على درجة الإجازة في الفنون الجميلة (اختصاص نحت) من كلية الفنون الجميلة في جامعة دمشق عام 1972، وعلى ماجستير في النحت من أكاديميّة الفنون في (وارسو) في بولونيا عام 1978، وعلى الدكتوراه في تاريخ الفن من الأكاديميّة نفسها عام 1985. عمل أستاذاً لمادة النحت في كلية الفنون في دمشق حتى إحالته إلى التقاعد قبل بضع سنوات.

تلامس أغلبية أعمال النحات الأحمد الواقع ملامسة خفيفة تارةً، وتارةً أخرى، تتكثف إشاراتها ورموزها لتبتعد قليلاً في الغموض والتجريد، لكنها من دون أن تُفرّط بنوع من البوح والإيماء الخاص القادر على إثارة بصر وبصيرة المتلقي، وهدهدة خياله، ومن ثم دفعه للبحث عن معانيها ودلالاتها التي يشعر تجاهها المتلقي أنه يعرفها ولا يعرفها، ذلك لأنها تسكن ذاكرته، ويحفظها قلبه، استلهم الأحمد أغلبية أعماله الفنيّة من البادية السوريّة، خاصةً النسوة بلباسهن التقليدي، فقد تأثر بمشاهداته لمفردات البيئة حوله، ولاسيّما الصخور التي شكّلت نقاط استلهام رئيسة لفنه، حيث استوعب تشكيلاتها بشكل غريزي وعفوي، وانجذب إليها باللاشعور، مستفيداً من نُظمها وعلاقة كتلها بعضها بالبعض الآخر، وما تحمله من إيحاءات، ومن ثم قام بتوظيف كل هذه القيم البصريّة والتعبيريّة التي أبدعها الفنان الأكبر (الطبيعة)، في أغلبية منحوتاته التي تعانق فيها الإحساس بالعقل، والعفويّة بالبنائيّة، والتلقائيّة بالتنظيم، والعمارة بالنحت، والواقع بالتجريد، فرغم الصيغة المختزلة التي عالج بها كتله النحتيّة، وحرصه الشديد على توازنها واستقرارها ورسوخها في الفراغ، حرص أيضاً، على أن تتواصل مع المتلقي، وتذهب به إلى مرجعياتها الإنسانيّة والطبيعيّة، وإلى ثقافته الفنيّة النظريّة والعمليّة العميقة، وإحاطته الوافية بالمدارس والاتجاهات التي مر بها الفن عبر تاريخ الحضارات، مؤكداً على توازنها في الفراغ المناسب، وتسربلها برؤية خصبة، جاعلاً من اللاشعور واللامرئي فيها مُدركاً.

لقد كان النحات الراحل أحمد الأحمد حريصاً على الصياغة الفنيّة المجردة المحسوبة بدقة، ما جعلها تتجه صوب الهندسيّة الصارمة، والمتحركة في الوقت نفسه. ولتحقيق هذه المعادلة المهمة والضروريّة وغير السهلة في العمل النحتي، لجأ إلى التأكيد والتنويع في سطوحها الغائرة والنافرة، والاهتمام بملمس سطوحها، وإطلاق العنان لأنامله في عملية تشكيلها، والاهتمام بواجهاتها الست، مُقارباً إياها من الهيكليّة الإنسانيّة أحياناً، وأحياناً أخرى من هيكليات مجردة، أخذت الطبيعة وقتها الكافي في عملية تشكيلها، الأمر الذي جعل هذه التكوينات الفراغيّة الطبيعيّة تتقاطع إلى حدٍ بعيد، مع ما ينداح من بين أنامل النحات من تكوينات فراغيّة، وأحياناً كثيرة تبزها: تشكيلياً وتعبيراً وإيحاءً.

المصدر- صحيفة تشرين

أضف تعليق


كود امني
تحديث