وضعنا المصور صفاً أفقياً واحداً ليكون مكاني بجانب والدي بحكم طولي، أخي الصغير وأختي وقفا أمامنا بقامتهما القصيرة والتقطت الصورة، نفس الصورة تماماً لعائلة أمي مع أخوالي ثم جدي وجدتي ماتزال معلقة إلى الآن، الجميع تحت جيل الثمانينات يعرف لماذا كانت تلتقط هذه الصورة بشمول كلي للعائلة، دفتر الصحة القديم الذي يذكر فيه كل فرد من العائلة تحت سن الثامنة عشر والإناث حتى يتزوجن وفي الصفحة الأولى منه تلصق هذه الصورة، تبرزه للنقابة التي تتبع لها وتأخذ قيمة الدواء الذي اشريته وأجرة المعاينة عند الطبيب لأي من الأفراد في الصورة، تتراوح النسبة في تغطية النفقات بين النقابات فمنها من كان يغطيها بنسبة 80% ومنها 100% على ألا تقل النسبة عن 75% إن كان تمريضك في قطاع خاص، أما المستشفيات الحكومية فالعلاج بها مجاناً بالكامل مهما عظمت قيمة العلاج، ومن ذكريات دفتر الصحة هذا أني أجريت عملية جراحية في بداية التسعينات وأذكر تماماً أن والدي أسرع ووضب الأوراق المطلوبة وألصق عليهما طوابع بقيمة 16 ليرة سورية كانت هي كل تكلفة العملية آنذاك مع الإقامة ليومين متتاليين، يومها لم تكن بدعة شركات التأمين قد ظهرت وكانت الدولة متمثلة بوزارة الصحة هي التأمين الحقيقي لكل فرد من مواطنيها منذ الصرخة الأولى (بكل معاني الكلمات) حتى الرمق الأخير.

 البطاقة الصحية.. الآن

بطاقة بلاستيكية أنيقة تتسلمها عند بداية توظيفك، مرتبطة بنظام تقني مؤتمت ومترابط ضمن كافة المحافظات، كانت سابقاً تحمل شعار يحدد الشركة التي تتولى رعاية تأمينك الصحي لوجود عدة شركات ثم تم إلغاء كل الشعارات البراقة وتوحيدها بشعار الشركة السورية للتأمين التي تشرف (كما هو المفروض) عليها جميعها واضعة شروطها الصحية المطلوبة حول مقدار تغطية النفقات الطبية لحامل هذه البطاقة وسنأخذ على ذلك مثالاً من بطاقتنا الشخصية والتي كتب عليها (نسب التحمل) ما يعني القيمة التي يدفعها حامل البطاقة من القيم الطبية أثناء معالجته وهي كما وردت: داخل المشفى 10%، خارج المشفى (طبيب) 0% ، فحوصات مخبرية 10%، أدوية 10%، أدوية مزمنة 10%، أي أن ما يدفعه المريض عند الطبيب هو عشرة بالمئة ممن قيمة المعاينة وكذلك في الصيدليات والمخابر كقيمة الأدوية والتحاليل وحتى أثناء القيام بعمل جراحي في المشافي الخاصة، كما يضاف عليها رقم المستفيد الشخصي ورقم العقد وملاحظة في الخلف تذكر بأنها شخصية لحاملها ولا يجوز استخدامها للغير، أي أن عائلة الموظف الحامل لهذه البطاقة ليست مشمولة بأي نوع من التأمين فيها لنترحم على أيام ذاك الدفتر الصحي الصغير الذي كان ضماناً صحياً شاملاً مقارنة بالواقع الصحي شديد الانفلات هذه الأيام الذي يقتل المريض فوق مرضه بدلاً من أن يكون طوق شفائه بدءاً من هذه البطاقات الصحية فالصيدليات ليأتي بعدها نموذج معين من الأطباء وليس انتهاء بالمستشفيات الخاصة وبين كل هؤلاء تسحق الإنسانية وتفسد أنبل مهن البشرية ويندر الشفاء حين يتم تقاذف المسؤوليات والتبريرات بينهم، وأحياناً.. يقذف المريض نفسه.

حلقات استغلال ..

لا يستأذن المرض مجاريك التنفسية (مثلاً) للدخول إليها ولا يربت على جلدك مستسمحاً ليصيبك بالعدوى، أغلب الأمراض تختبأ في جسدك بفترة حضانة تتفاوت مدتها دون أعراض واضحة لتطرحك فجأة في سريرك وتبدأ رحلة الأوجاع، أوجاع ترتجي بعدها الشفاء الذي يتطلب الدواء المناسب فوراً، والدواء ليس اختياراً تفصل مدته وكميته على مزاجك، هو فرض قسري لا يطابق هواك وعليك تقبل مرارته كقانون طبيعي للشفاء الذي تعرفه تماما شركات الرعاية (الصحية) ورغم ذلك تخالف كل قوانين الطبيعة، فمرضك الذي يستلزم أدوية التهاب عادي غير مسموح بشرائه ولن يوافقوا على صرفه فعوّد جسمك على تنشيط مقاومته الداخلية ببعض الأعشاب الطبية وسيزول التهابك لوحده، إن استلزم شفاؤك دواء لا يتوفر الوطني منه في ظل الدمار والسرقة الذي وقع ببعض معامل الأدوية من بغاة الأرض فهذا أيضاً في قائمة الممنوع ولن يغطوا نفقاته (وروح دبر راسك)، أقنع (الفيروسات) ألا تكون مستفحلة وتطيل إقامتها في جسدك كي لا يستلزم مرضك علبتي دواء من نفس النوع فتصبح شركة الرعاية عالمة بأقدار الغيب وتعرف أنك لن تحتاج أكثر من واحدة تصرفها لك على مضض، إن احتجت عملية جراحية نتيجة تعرضك لحادث ما أو حتى إن أصابك (هداك المرض) لا سمح الله فهذه الشركات ستختفي عن الوجود فجأة وكل أرقام هواتفها المزركشة ستصبح مشغولة وإن أصريت على الاتصال بهم فأجمل أجوبتهم سيكون إغلاق السماعة بوجهك، ولكي تجد طبيباً يتعامل مع شركة تأمينك فالتنقيب عن الثروات الباطنية سيكون أسهل من اكتشافه أما أن تجد صيدلية متعاملة فاصعد إلى سطح القمر.

شهادات مؤلمة

شك الطبيب أن الأستاذ (م ) لديه دوالي في الخصيتين وطلب منه إجراء إيكو دوبلر icho doubler وبعد التمحيص عن مختبر متعاقد مع شركة التأمين التابع لها قيل له بأنها لا تغطي قيمة هذا التصوير واضطر لدفع مبلغ 5000 ليرة، أما السيدة (منيرة) التي أجرت عملية استئصال لغدتها الدرقية وأصبحت تحتاج للكالسيوم وبعض الأدوية الأخرى كتعويض عما تنتجه هذه الغدة فإنها أيضاً فوجئت بعدم تغطية قيمة هذا الدواء من شركة الرعاية وتضطر لدفع قيمته الكبيرة 20000 ليرة شهرياً ولمدى الحياة، أما السيد خير الله فكانت صدمته أكبر حين امتنعت عن دفع قيمة المرهم العلاجي المطلوب لحالته والحجة (المذهلة) التي قدموها له كما نقلها الصيدلي أنه مستحضر من أعشاب طبيعية؟ أما السيد إياد والذي يعمل حلاقاً بعد انتهاء وظيفته فله حكاية تشابه الكثير ممن استقصينا آراءهم وتتلخص في الحد الأعلى الذي تفرض شركات الرعاية عدم تجاوزه بما لا يتعدى 1500 ليرة من قيمة الوصفة مهما بلغت قيمتها الحقيقية وأحياناً بلغ الأمر حد الامتناع التام عن تغطية أية وصفات في كثير من الحالات ولأسباب غير معروفة كما حصل مع الموظف محمود حيث بلغت قيمة وصفته الطبية ما يقارب 1400 ليرة فقط ومع ذلك فوجئ برسالة نصية على هاتفه النقال تفيده بأن الوصفة غير قابلة للصرف (هكذا وردت حرفياً) دون أية مبررات بينما تكررت المبررات المقدمة من بعض الشركات وبشكل غير مفهوم في حالات كثيرة لمرضى ممن استقصينا آراءهم مثل عدم شمول تغطية أنواع معينة من أدوية الالتهاب ومسكنات الألم وبعض الأدوية الأجنبية والأدهى هو ما حكته لنا المعلمة (سهام ) عن طلب تحاليل تثبت مرضها ليتم صرف الدواء لهم وهذا ما حصل معها تماماً حين قدمت وصفة تحتوي على دواء للمعدة وبعد انتظار لمدة يوم كامل كان الجواب بوجوب تقديم ما يثبت ذلك بالتحاليل والأقسى في كل هذه التجارب هو ما يسمى (التعليق) أي انتظار الرد من الشركة عن إمكانية صرف الدواء والتي قد يطول لمدة يومين أحياناً حتى يأتي الجواب بالقبول أو الرفض أو نصف هذا وذاك ليكون المريض قد اشترى أدويته على حسابه مضطراً وقارب على الشفاء أو لم يقدر مادياً على شرائها وشارف على الهلاك.

الصيادلة.. حلقة أخرى

مثلها مثل كل المهن على هذه الأرض فيها من الصنفين، الصالح والطالح، ورغم أنها من المهن الإنسانية بالمطلق ومن المفروض أن يتمتع أصحابها بقيم الإنسانية لكن ذلك لا يتوفر دائما وبكل الأحوال فإن ما يرد في هذه الفقرة لا يمثل الجميع ولا نقصد التعميم، فالصيادلة هم إحدى أهم حلقات الصحة بعد الأطباء وكان يتوجب علينا سؤالهم، بعضهم وافق على الكلام معنا ولكن الغالبية تحفظوا لأسباب تحججوا فيها بعدم إغضاب هذه الشركات التأمينية، ومن ارتضى الكلام معنا اشترط علينا عدم ذكر اسمه أو التلميح لاسم صيدليته خوفاً من العتب على أقل تقدير (كي لا نقول أكثر من ذلك) وبعد جهد جهيد أشاروا إلى التعقيدات الكثيرة التي تفرضها هذه الشركات ومنها على سبيل المثال مدة الانتظار الطويلة في الرد على الوصفات المدخلة من ناحية قبولها أم لا والقائمة الطويلة للأدوية الممنوع صرفها رغم أنها صناعة وطنية بالمطلق أضف إلى الحجج التي تقدم أحياناً مثل اعتبار هذا الدواء هو متممات غذائية رغم علمهم بأنه علاجي 100% إضافة لعدة أسباب أخرى تلخصت في تأخر شركات الرعاية الصحية بدفع مستحقات الصيدلاني لمدة قد تصل لستة أشهر وهذا ما يجعلهم بلا أية سيولة وعدم قدرة على شراء الأدوية المطلوبة هذا مع إمكانية ارتفاع سعر الأدوية في هذه الفترة مما يشكل خسارة لا يستهان بها لهم أما من امتنعوا عن الكلام فقد كان لافتاً بالنسبة إلينا ضخامة النسبة حيث رفض 13 من أصل 15 من الصيادلة الكلام تماماً وهذا ما ولد شكاً قوياً بوجود خطب بالنسبة للموضوع الذي نناقشه ولكن أحدهم ممن ألغى تعاقده مع من هذه الشركات تبرع بالشرح لنا عن سبب امتناع بعض زملائه عن التعاون معنا والإجابة أثبتت ما تولد لدينا من قناعة بوجود مخالفات واستغلال كبير حيث شرح لنا عن بعض الصيادلة ضعاف النفوس الذين يتواطؤون مع هذه الشركات لإضافة 25% على قيمة الفاتورة التي يقدمها المريض أو استبدال بعض أنواع الأدوية غالية الثمن بأدوية بديلة أقل سعرا لتحقيق ربح خرافي فوق ربحهم المشروع والأسوأ من ذلك هو أن بعضهم يتعمد تزويد المريض الذي يريد دفع قيمة دوائه ببطاقة التأمين بالأدوية التي شارفت مدة صلاحيتها على الانتهاء تجنباً للخسارة ليصبح الأمر برمته مجرد حلقات من الاستغلال متعدد الأطراف لا ضحية فيه إلا المريض (المؤمن) عليه صحياً كما هو المفروض.

سرطان .. قصص لا تصدق

في قصة لا يصدقها الخيال نفسه تثبت تجرد هذه الشركات من الإنسانية بشكل فاقع وأن ما يهمها هو المال دون أدنى اعتبار لحياة النفس البشرية تواصلنا مع المعلمة (إلهام) والتي تم تشخيص حالتها بسرطان الثدي في مراحله الأخيرة وتحتاج لتدخل جراحي فوري لاستئصال الكتل التي انتشرت حتى منطقة الإبطين ونقلت إسعافياً إلى أحد المستشفيات لإجراء اللازم ومن هنا بدأت (عصة القبر) فوق المرض، فجأة فقدت البطاقة وضاعت دون أي تبرير ومسؤولية من شركة التأمين وبعد ثلاثة أشهر من العذاب تمكنت من استصدار بطاقة جديدة لتكون المفاجأة أن البطاقة القديمة بحوزة الشركة وترفض الاعتراف بوجودها لاستصدار واحدة أخرى تحصيلاً لرسوم إضافية ومع ذلك تأملت المعلمة أن الموضوع سيحل ولكن الأشد قهراً باغتها حيت تم الاشتراط عليها بوجوب تقديم تحاليل تثبت حالتها من مختبرات متعاقدة مع شركة تأمينها الصحي حصراً وهذا مالم يشكل عقبة فعلية لها فهي سلفاً كانت قد استقصت وأجرت كل تحاليلها مع هذه المختبرات وهذا أيضاً لم يرق للشركة على ما يبدو لتضع شرطاً آخر يثبت أنها دخلت بحالة إسعافية وثانية تم حل الموضوع بوثيقة من الطبيب المعالج وعندما حوصرت الشركة واستنفذت جميع شروطها وقوانينها ومطباتها التي تضعها في وجه المرضى أظهرت حقيقتها (اللا تأمينية) بالرفض التام والنهائي لتغطية أية نفقات عن العمل الجراحي البالغة تكلفته حسب فاتورة المستشفى 250.000 ليرة كما رفضت تغطية التحاليل بقيمة 150.000 ليرة لا بل أنها أمعنت في (قهر) المريضة التي شارفت على الموت فأدارت ظهرها وكأن لا روح تدب على هذه الأرض تحتاج نظرة رأفة حين تملصت من تغطية ثمن الجرعات والأدوية لاحقا تاركة إياها تواجه الأقدار، هنا أصرت إلهام على استرداد حقها بقوة القانون وقصدت المحامي (حسن عيده) المختص بهذا النوع من القضايا والذي تواصلنا معه كشاهد إثبات قانوني وطلباً للأدلة والوثائق كي لا نترك مجالاً للشك أو حجة لإنكار ما سلف من القصة والملف كاملاً موجود لدينا بكل وثائقه وتواريخه من مراجعات الأطباء إلى المخابر فالمستشفى نهاية بفواتير صرف الدواء، وفوجئنا لديه بالقصص التي لا تكاد تصدق من شناعتها وبشاعتها عن طرق تعامل شركات الرعاية الصحية (المخزي) مع المرضى، ومنها قصة محزنة للموظف (علي شربا) الذي سقط عن الدرج أثناء عمله في قصر العدل بطرطوس وأسعف في حالة إغماء تام مع خلع شديد في الكتف مترافق مع وزمة سوداء تحت لوح الكتف الأيمن وتم رفض تغطية النفقات التي تكبدها والبالغة 170.000 ليرة بحجة أنه سيحال قريباً إلى التقاعد (تخيلوا) وحتى هذه اللحظة ما يزال يعاني من عجز حركي شبه تام في كامل يده، كما اطلعنا المحامي عيده على الكم الهائل من القضايا المرفوعة ضدهم ورغم كل الأحكام القضائية بحقهم لكنهم ما زالوا يمارسون أساليب التملص والمراوغة غير عابئين بحياة الإنسان ومقدمين بجدارة أسوء الأمثلة عن الاستهتار والرعاية (اللاصحية).

العقود والأرقام الفلكية

تقدم الشركة السورية العامة للتأمين مبلغ 6000 ليرة ووزارة المالية 6000 ليرة أخرى وتقوم المؤسسات العامة بتقديم 4000 ليرة عن كل موظف يعمل لديها ليصبح المجموع 16000 ليرة تدفع عن كل موظف للمؤسسة العامة للتأمين التي تقوم بتغطية النفقات الصحية للمؤمن عليه والتي تعاقدت مع شركات الرعاية الصحية كوسيط بينها وبين المؤمن عليه (الموظف) للإشراف على هذا التأمين بموجب عقود وقعتها هذه الشركات مع المؤسسات الحكومية التي تريد تأمين موظفيها وفق نظامين للعقود، الأول هو العقود الإدارية العادية وتكون بنودها ثابتة وموحدة (غير قابلة للتعديل) وبنفس الشروط على كل المؤسسات والشركات المتعاقدة ولا يمكن تغيير أي بند فيها وهذا النوع من العقود هو الشائع والمطبق في الغالب، أما النوع الثاني فهو العقد الاقتصادي وفيه تشترط الشركة أو المؤسسة التي تريد تأمين موظفيها بعض الشروط الواجب تنفيذها من شركة التأمين وتطلب التعديل على بعض البنود حسب ما يحقق مصلحة موظفيها الصحية وهذا ما يجعل القيم التأمينية وبنود العقد مختلفة بين مؤسسة وأخرى في هذا النوع من العقود والشركات الخاصة هي الأكثر تعاملاً به، أما بخصوص ما يحق للمؤمن عليه من رعاية صحية فقد انخفض عدد الحركات بشكل هائل وغير مبرر من 48 إلى 12 حركة سنوياً تقسم كالآتي: 4 زيارات طبيب، 4 وصفات طبية، 4 زيارات مخابر (صور شعاعية وتحاليل) وكل ذلك بما لا يفوق 50.000 ليرة، وفي حال وجود مرض مزمن ترفع القيمة إلى 75.000 أما في حالات إجراء عمل جراحي فالقيمة تصل إلى 500.000 ليرة، ولكن استنفاذ القيمة المالية القصوى في أحد البنود السابقة يفقد المؤمن عليه كل ما تبقى، مثلاً لو قام المريض بإجراء تحاليل تصل قيمتها الحد الأعلى (خمسين ألفاً) فإنه لن يتمكن من إجراء أية زيارات للطبيب أو وصفات طبية، علماً أن عدد الموظفين المؤمن عليهم في محافظة طرطوس من كافة القطاعات (إدارات، مؤسسات، شركات) بلغ حتى بداية هذا العام ما يقارب 70.000 عامل وهذا يعطينا أرقاماً مخيفة تتراوح بين 3.5 إلى 7 مليارات ليرة سورية تصرف على التأمين سنوياً في محافظة طرطوس.

السورية للتأمين

الأستاذ محمد حسن رئيس دائرة التأمين الصحي في المؤسسة السورية العامة للتأمين (فرع طرطوس) بعد تحويلنا إليه من قبل السيد ياسر حمود مدير الفرع وللحقيقة فإن الاثنين استفاضا في تبرير (تصحيح كما أحبا تسميتها) بعض الإشكالات الواردة إلينا كرفض بعض أنواع الأدوية ليدعيا أن الرفض قد يكون لتكرار الدواء بشكل مبالغ فيه فليس من الطبيعي مثلاً أن تصرف أدوية الالتهاب لخمس أو ست مرات متكررة فهذا يعتبر سوء استخدام (تمارض وهمي) لتحصيل قيم مالية دون وجه حق حيث يقدم الموظف وصفات متكررة دون مرض حقيقي يصيبه وفي أحيان معينة لا يكون رفضاً وإنما اشتراطاً لتحاليل تثبت حقيقة المرض أو حتى تقليلاً لكمية الدواء الموصوفة والمبالغ فيها من قبل الطبيب في حال وصفه علبتي دواء أو أكثر من نفس النوع أو حتى ليست ضمن اختصاصه الطبي كأن يصف طبيب (قلبية) أدوية مرض هضمي وفي أغلب الأوقات يكون الرفض هو لاستنفاذ القيمة المالية القصوى أو لأن لدواء المطلوب غير مغطى تأمينياً أو منتج أجنبي غير مسعر رسمياً كما أن المتممات الغذائية وكافة أنواع الفيتامينات بالإضافة إلى الأدوية الهرمونية غير مشمولة تأمينياً وأضاف السيد حمود أن على الموظف المؤمن عليه معرفة تفاصيل عقد تأمينه وما يشمله أو لا يشمله من أمراض وأدوية.

(شوية منطق)

باستثناء الأمثلة عن سوء استخدام المؤمن عليهم للتأمين بشكل وهمي وتجاوز القيمة المالية القصوى والتي نتفق فيهما مع السيد مدير فرع السورية للتأمين فإن الاستفاضة المبالغ فيها لتبرير المزاجية الصرفة في عمل شركات الرعاية الصحية كانت لا تخضع للمنطق أبداً ولا تعدو كونها مجرد عراقيل وهمية للتهرب من المسؤولية ليس إلا فالطبيب الذي مارس مهنته ربما لعقود من الزمن يدري تماماً ما الدواء المطلوب حتى ولو من غير اختصاصه فهو عاين المريض على سرير عيادته وتواصل معه واستمع لقصته المرضية بالتفصيل وحكمه النهائي عما يحتاج المريض من كمية الدواء (علبتين أو أكثر) أو نوعيته (دواء من غير اختصاصه) سيكون حتماً أدق بعشرات المرات من شركة تتابع ملفه على شاشة الكمبيوتر كما أن التكرار لبعض أدوية الالتهاب يعتبر طبيعياً في الشتاء مثلا كتجدد العدوى بالزكام على أقل تقدير هذا غير إصابة الإنسان بأنواع متكررة من الالتهابات في أعضاء الجسد عند التقدم بالعمر (التهابات تنفسية، معوية، بولية، مفاصل) وجميعها تستلزم أدوية التهاب تتشابه استطباباتها كما أن طلب التحاليل التي تثبت المرض قد يشكل خطراً على حياة المريض لتأخر تناول الدواء وإمكانية نشوء مضاعفات مرضية، ولم نستطع أن نقتنع بالمنطق أيضاً لماذا تصوير الايكو دوبلرicho doubler غير مشمول تأمينياً وهو إجراء طبي بحت، ولماذا لم تجد السورية للتأمين بالتعاون والتضامن مع تلك الشركات حلاً منطقياً للأدوية المفقودة نتيجة الأزمة وتدمير المعامل المنتجة فتقترح تغطية جزء من سعر الأدوية الأجنبية على الأقل بعد تسعيرها رسمياً مع الجهات المختصة ولماذا أيضاً لم تجد حلاً يمنع بعض ضعاف النفوس من سوء استخدام التأمين على حساب المرضى الحقيقيين وبأي قانون يقال لمريض مصاب بالكسور أنه على مشارف التقاعد ولن تغطى تكاليف علاجه كما أننا نستغرب استغراب السيد حمود لقصة (التعليق) وانتظار صرف الوصفة لمدة قد تتراوح ليومين وعدم علمه بها نهائياً رغم أنه أظهر لنا كتباً رسمية لمعالجة قصة عدم صرف إحدى الشركات لمستحقات الصيادلة ولكن الصدمة الحقيقية لنا كانت في طلبه من الموظفين أن يقرؤوا نصوص العقود الموقعة مع مؤسساتهم ليعرفوا بدقة ماهي الأمراض والأدوية المشمولة بالتأمين في حين طلبنا منه نسخاً من العقود ليكون جوابه أنها غير متوفرة وعلينا مراجعة الإدارة العامة في دمشق فكيف يستطيع موظف بسيط توفير نسخة من العقد لقراءته إن كان فرع مؤسسة التأمين بقدها وقديدها لا تملكه.

ما يزال التحقيق مستمراً

أثناء إعدادنا هذا التحقيق قمنا بالاتصال بشركتين من شركات رعاية صحية لها مكاتب في محافظة طرطوس لطرح بعض الأسئلة والاستفسارات والحصول على العقود الموقعة بينها وبين السورية للتأمين والنتيجة كانت كالآتي، الأولى كانت أرقامها مشغولة بشكل ملفت لثلاثة أيام متتالية وفي حال تم رنين الهاتف لم تكن هناك إجابة مطلقاً، أما الثانية فاستطعنا التواصل مع مدير مكتبها ليطلب منا الاتصال في اليوم الثاني لمراجعة إدارته في دمشق عن إمكانية إجراء اللقاء وفعلاً اتصلنا ثانية ولبينا طلبه بتوضيح محاور الأسئلة وماهيتها لمناقشتها مع الإدارة والرد سيكون في اليوم الذي يليه ولكن الرد في المرة الثالثة كان بوجوب الانتظار لمدة أسبوع كامل لاستحصال موافقة الهيئة العليا للتأمين والرعاية الصحية والتي بدورها قد توافق أو لا توافق على إجراء المقابلة، هنا عرفنا أن الأمور تدفع باتجاه المماطلة والتسويف ولن نحصل على مطلبنا فأوقفنا التواصل رغم أملنا السابق بأن توضح موقفها، أما بخصوص الواقع الصحي الذي نناقشه فالتحقيق لم ينته بعد وماتزال أهم حلقات الاستغلال فيه موضوع بحث كالارتفاع السريع لثمن الأدوية وانفلات المستشفيات الخاصة بشكل جنوني وهذا ما سنروي فيه وقائع تفوق الخيال في الجزء الثاني من هذا التحقيق...