لن أغادر بلداً جلستُ - وأنا صغير - على أرصفته أقرأ مجلة "أسامة" للأطفال.

لن أغادر أرصفة كنت أقف لأتفرج على بناتِ جيراني الصغيرات وهنَّ يلعبْنَ بالنط على الحبل ولعبة الكعب.

لن أخونَ مزاريب الأسطحة التي كنتُ أقف تحتها وأترك مياه الأمطار تغسل شعري.

لن أخون بركة الشارع المليئة بمياه المطر والتي كنتُ "أطَبِّش" بحذائي الصغير بها.

لن أخون صيحات - وأحياناً ضربات -خالتي "إيفيت" - رحمها الله - التي ربتني عندما أعود ورأسي وحذائي مغسولين.

لن أنسى مدرستي وكتبي ودفاتري، وخربشاتي الطفولية عليها، وحقيبتي الجلدية ذات اللون العسلي والتي كانت تنجح مثلي لتدخل معي في السنة التالية صفاً أعلى.

لن أترك ساعي البريد "زياد" الذي رافقني كل هذه السنين وكان يجلب لي على دراجته الهوائية، رسائل والديّ إلى عنوان منزل جدتي والذي مازل يحفظه عن ظهر قلب "شارع المطران فتال رقم المنزل ٥".

لن أخون الأرصفة التي تعرفني، والشوارع ومزاريب المياه وشحاذي المنطقة وعمال النظافة والباعة وأفران الخبز وقشطة اللبن في السطول الخشبية.

حاولتُ ان أخون هذه الحارة في مدينتي "حلب"، لكنني فشلتُ أمام أعين أطفالها، وأمام فرق "كرة القدم" في أحيائها.

حاولتُ أن أستسلم وأهرب، لكن شوارعها، وحاراتها، وأبنيتها، وأصوات باعتها، ورائحة الفلافل والمشبك والعجة والزعتر وشواء اللحم، كل ذلك جعلني أرتعب وأجبُن، وأبقى.

نعم إنه الخوف من ذكريات الماضي، من ذكريات الطفولة وأصوات "رفقاتي" التي أسمعها، منعتني من الهجرة.

أين أذهب؟ وأين أسافر؟

إلى دول لم تعرفني في طفولتي، ولم أشرب الماء من حنفيات مدارسها؟

إلى مدينة لم أتعلق بباصاتها وأنا أقود دراجتي؟

إلى شوارع لم أضع البرتقال فيها لكي تمر عليها السيارات و "تنفعس"؟

أتحداكم أن تكون طفولتكم لا تشبه طفولتي، فكلنا مررنا في شريط ذكريات هذه الأرض.

كلنا لعبنا ودرسنا وكبرنا وعشقنا وقمنا بتأسيس عائلاتنا ضمن ذكريات سورية.

من منّا لم يأكل الفول والفلافل، وقرأ "المغامرون الخمسة" ولم يعجبه "تختخ"، وقرأ "ميكي"، وأعجبه مسلسل "عدنان ولينا" ودخل السينما، في طفولتنا وشبابنا؟

هذه طفولتي وشريط ذكرياتي التي منعتني من مجرد التفكير بالهجرة.

طفولتنا يجب أن تمنع هجرة مستقبلنا.

اللهم اشهد اني بلغت