يفصح التوجه لبرامج إحلال المستوردات عن «التبني الحكومي» لقاعدة الاستثمار في الأزمات التي أثبتت أنه في «كثير من الأحيان تتيح الأزمات أفضل الفرص لصنع الثروات»، وربما أكثر ما يميز التوجه إلى هذا البرنامج هو التفكير في عقلية المستثمر وتغيير الأساليب التقليدية لمواجهة الحصار الاقتصادي من جهة، وتحويل القطع الأجنبي التي تستهلكه فاتورة الاستيراد المرتفعة إلى مطارح تنموية أخرى، فتعزيز القطاعات الإنتاجية المحلية في الزراعة والصناعة في ظل الحصار والظروف الاقتصادية الصعبة وفي ضوء نقص الموارد يقلص فاتورة الاستيراد ويسهم في تخفيض أسعار السلع الأساسية وتوفيرها في السوق المحلية، ويدعم مرحلة التعافي، والأهم أنه يشكل الحلقة الأهم في الاعتماد على الذات الذي اتخذته الحكومة شعاراً لعملها في هذه المرحلة.
ميزة
هناك العديد من البرامج الاقتصادية التي بدأت الحكومة بالعمل عليها، ومن ضمنها برنامج إحلال المستوردات، ويستهدف هذا البرنامج في إطاره العام تحفيز الطلب على الإنتاج المحلي، كذلك تحفيز الإنتاج المحلي على تلبية هذا الطلب وزيادة الكميات المنتجة أو فتح مشاريع جديدة، وامتلاك ميزات تنافسية، فالمنتج الوطني قادر على تغطية السوق من ناحية الجودة والسعر والكمية الأمر الذي يشجع التوجه نحو إيقاف استيراد المنتجات المشابهة- يقول رئيس مجلس الوزراء المهندس عماد خميس –ولاسيما مع مرحلة التعافي التي يشهدها القطاع الصناعي، والدعم المقدم للمنشآت الصناعية لإعادة الإقلاع من جديد وتوسيع وتفعيل عمل المدن والمناطق الصناعية، وهنا يجب التطبيق الدقيق لهذه السياسة من خلال الدراسة المعمقة للاقتصاد السوري ومراعاة الميزات النسبية له، وتوفير كل مستلزمات تشجيع إقامة المعامل والمنشآت التي من شأنها تأمين حاجات السوق المحلية من السلع التي يتم استيرادها حالياً بما يسهم في تخفيض الحاجة خلال المراحل القادمة، لافتاً إلى أنه تم السماح خلال الفترات السابقة باستيراد المواد الأولية والتجهيزات اللازمة لإعادة إحياء الصناعات التي تضررت بفعل الحرب، الأمر الذي أدى إلى استعادة العديد من القطاعات عافيتها وأعطى إمكانية توفير بدائل للمستوردات خلال المرحلة المقبلة.
استقلالية القرار
من جهته، يقول وزير الاقتصاد والتجارة الخارجية الدكتور سامر الخليل: إن الظروف التي تمر فيها سورية استدعت التعامل بأدوات وسياسات مختلفة، وفقاً لكل قطاع أو مجال، وفي هذا الإطار برزت أهمية صناعة بدائل المستوردات كواحدة من أهم الأدوات التي يمكن أن تسهم في دعم استقلالية القرار الاقتصادي، عبر دعم الإنتاج المحلي وتجنيبه منافسة المستورد في الفترة الحالية، بالتوازي مع تشجيع الصناعة المحلية كذلك تحقيق الاكتفاء الذاتي للمواد التي يمكن إنتاجها محلياً ولديها كفاءة اقتصادية، إضافة إلى تشغيل اليد العاملة السورية. ولفت الخليل إلى أن «الجهود الحكومية تركزت على دعم تنفيذ هذا التوجه، ولاسيما مع بدء الدخول في مرحلة التعافي الاقتصادي، إذ عملت الوزارة على تصميم برنامج إحلال صناعة بدائل المستوردات، وتم اختيار مجموعة من السلع المستهدفة استناداً إلى وزنها النسبي في المستوردات.
واقعية
الواقعية في الحل هي الأساس الذي اعتمدته وزارة الاقتصاد عند إطلاق البرنامج، أي إنه ليس من الضروري أن تنتج عن دراسة كل سلعة إمكانية تصنيعها محلياً في الوقت الحالي، وبناء على ذلك تم بالتعاون مع الجهات المعنية اختيار مجموعة من السلع المستهدفة ودراستها لناحية إمكانية إنتاجها محلياً، وآخر ما وصل إليه العمل لتنفيذ هذا البرنامج تحديد 45 مادة، وذلك بناءً على توجهات الحكومة، وفقاً لأولويات استهلاكها في المجتمع السوري.
الدكتور الخليل أوضح أنه تم اختيار مجموعة من السلع وصلت إلى 45 سلعة استناداً إلى وزنها النسبي في المستوردات، ومن هذه المواد والسلع التي تم طرحها ضمن برنامج إحلال المستوردات، الحبيبات البلاستيكية مع إنشاء مجمع للبتروكيماويات، والأدوية البشرية غير المصنعة محلياً، والأقمشة غير المنتجة محلياً من «جينز و جوخ» وغيرهما، إضافةً إلى زيوت نباتية خامية بدءاً من البذور النباتية، والخيوط غير المنتجة محلياً وخاصة الكومباكت الصنعية.. وغيرها أيضاً الورق. وأضاف: سيتم الاستغناء عن استيراد قطع تبديل سيارات وآلات و«طلائح» بلاستيكية، والبطاريات والخميرة، والإطارات وألواح الفورميكا والحليب المجفف وأجهزة إنارة و«لمبات» وليدات و«فوط» صحية وأصناف مماثلة لجميع الأعمار (عجزة وكبار السن ومعوقين)، ولكيل البنزين، وقوارير زجاجية وأوان وخاصة القوارير المستخدمة للأدوية وأحذية رياضية وصاج.. بدءاً من صهر سكراب الحديد وانفرترات، إضافةً إلى السيليكون بدءاً من الرمال المتوافرة محلياً وورق ألمنيوم وألواح الزجاج بكل أنواعها ، ومادة «الفريت» المستخدمة في صناعة السيراميك والمصاعد وقطعها التبديلية والجرارات الزراعية. .
خطوات إيجابية
الأشهر الأولى من العام الحالي شهدت إطلاق خطوات إيجابية لدعم الإنتاج المحلي كان أهمها مكافحة التهريب، أيضاً دعم الصناعات العامة والخاصة، حيث كلفت الحكومة الجهات المعنية بمراجعة قائمة المواد الأولية التي يتم تمويلها، والتوجه نحو ترتيب أولويات الإجراءات الاقتصادية والنقدية ودعم مطارح الإنتاج الزراعي والصناعي في سياق دعم الإنتاج كأولوية متقدمة في العمل. وهنا يؤكد وزير الصناعة معن زين العابدين جذبة أن جميع الجهود والمساعي لتوطين الصناعة ودعمها وتوفير متطلبات استقرارها وإيجاد محفزات لها لتقوم بإنتاج تصديري مميز لا يمكن أن تنجح من دون مكافحة التهريب الذي يعد آفة اقتصادية خطيرة تعوق أي خطوة تصب في مصلحة دعم المنتج المحلي، مشيراً إلى توافر جميع المنتجات التي يحتاجها المواطن في الأسواق المحلية وجميع المنتجات السورية تحقق المواصفات العالمية، ما يلغي أي حاجة للتهريب الذي يمثل إيذاء للصناعة المحلية على كل الصعد، أيضاً وضمن هذه الخطوات الإيجابية لدعم الإنتاج المحلي هناك توجه لمتابعة آليات الإقراض المصرفي المعتمدة التي تستند إلى الشفافية وتوجيه التمويلات للمشروعات الإنتاجية الجديدة، ومراقبة تنفيذ القروض وربطها بمراحل تنفيذ المشاريع بدقة، إضافة إلى مراعاة المرونة في ضخ القروض والتوظيفات وفق اعتبارات الجدوى الحقيقية بدعم الإنتاج، والأهم كان الإعلان عن بدء تنفيذ دعم الفوائد على القروض الإنتاجية من خلال كتلة نقدية تبلغ 20 مليار ليرة سورية بما يهدف إلى دعم المنتجين بـ50 في المئة من الفوائد المترتبة على القروض الإنتاجية في المصارف.
مكملات
وهنا لا يتحقق توفير القطع الأجنبي وتقليص فاتورة الاستيراد فقط من خلال إنتاج بدائل المستوردات، فهذه العملية أيضاً تتطلب قطعاً أجنبياً لتجهيزاتها ومدخلات إنتاجها -كما يرى مختصون في هذا المجال– بل تتحقق أيضاً وكما هو معروف، من خلال زيادة التصدير وهو ما يعيدنا إلى ضرورة دعمه وتشجيعه والعمل الجاد على توفير الميزة التنافسية للمنتج المحلي المراد تصديره.
نهوض
في هذا السياق أوضح وزير الاقتصاد والتجارة الدكتور سامر الخليل أن سياسة الوزارة في التجارة الخارجية وفتح سقوف قيم المستوردات وأحجامها ساهمت في نهوض قطاع التصدير، فبيانات التصدير وكميات المنتجات السورية المصدرة في حالة ارتفاع مطرد بعد ازدياد عدد الدول المستوردة للمنتجات السورية، ما يعني نجاح المنتج السوري بالنفاذ إلى أسواق انقطع عنها فترة غير قصيرة، وبدأ الاستحواذ على أسواقه التقليدية السابقة، مؤكداً أن البضائع والسلع السورية باتت تصل إلى نحو 100 دولة، ويتابع الخليل أن الوزارة عملت على صعيد التجارة الخارجية ضمن محورين اثنين أولهما الاستيراد، وأجرت مراجعة شاملة لقوائم المواد المعتمدة كدليل للاستيراد، وقامت بتحديثها بما يراعي متطلبات الاقتصاد الوطني ودفع عجلة الإنتاج من خلال التنسيق بين الوزارة والعديد من الجهات ذات الصلة، أما المحور الثاني فهو التصدير، حيث عمدت إلى تشخيص المعوقات ذات الصلة بعملية التصدير سواء البنيوية منها أو الطارئة ووضع الحلول لتجاوزها وذلك لدفع العملية التصديرية وإعطائها الزخم ، وتم إقرار الخطة الوطنية للتصدير التي يجري العمل حالياً على تنفيذها من قبل جميع الوزارات والجهات المعنية، بالتوازي مع تقديم أشكال متنوعة من الدعم التصديري بشكل مدروس، وتم بموجبها دعم تصدير عدد من المنتجات المدرجة في قوائم حوافز التصدير كزيت الزيتون والصناعات الغذائية والألبسة وأخرى سواها، من المواد التي تحقق قيمة مضافة محلية مرتفعة وقابلة للنمو.
وزير الاقتصاد بيّن ارتفاع الكميات المصدرة في العام السابق 2018 قياساً بنظيرتها في العام الأسبق 2017 لتصل بالحجم إلى حوالي 1،3 ملايين طن، لافتاً إلى افتتاح المركز الدائم للصادرات السورية في مدينة المعارض في دمشق، بالتوازي مع تعميم قائمة السلع السورية المتاحة للتصدير ومعلوماتها على جميع البعثات الدبلوماسية السورية العاملة في الخارج، التي تواصلت وتتواصل بدورها مع الفعاليات التجارية في الدول الأخرى بشأنها، إلى جانب تفعيل نقطة تجارة سورية الدولية التي ترتبط باتحاد نقاط التجارة العالمية وتؤمن الترويج الإلكتروني للمنتجات السورية، كما توفر آلية لتبادل معلومات تفصيلية عن التجارة والمنتجات والأسواق المحلية والدولية.

المصدر - تشرين